النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦١٨618
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
وهي
والمصلحة التي نتكلم عنها هي المصلحة الشرعية التي جاءت بها كليات الشريعة أو جزئياتها، المصلحة الحقيقية التي يجوز أن تعلل بها الأحكام لا المصلحة الزائفة المستندة إلى الهوى العابر، أو المصلحة الفئوية، أو الطبقية، أو ما شابهها مما يسير عليه الضالون أفراداً وجماعات. والمصلحة كما يعرفها ابن عاشور: وصف للفعل يحصل به الصلاح، أي النفع منه دائماً أو غالباً، للجمهور أو للآحاد)، وهذا يحصل بإصلاح الإنسان ودفع فساده، والذي بصلاحه صلاح العالم وأحواله، فالتوحيد والهدى والصلاح هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها حين خلقهم، والله بعث النبيين لإصلاح الفطرة إصلاحاً جزئياً، فكان هديهم مختلف الأساليب على حسب اختلاف المصالح والأهلية وشدة الشكائم، فكان من الأنبياء الميسر، والمغلظ، وقد بعث محمد صلى الله عليه وسلم لإكمال ذلك الإصلاح، وإعادة الناس إلى الوحدة على الخير والهدى.
وبتعريف حد الوصف الذي يعدُّ به الفعل صلاحاً أو فساداً ووضع ضوابط لذلك الحد (3)؛ تحصل لنا منها أنَّ التشريع كله جلب مصالح؛ لأنَّ طرف المفسدة المغمور في جانب المصلحة الغامرة، لا يُؤثّر في نظام العَالَم شيئاً إذ المصلحة ليست هي مطلق الملائم، ولا المفسدة هي مطلق المنافر والمشقة، فإنّ بين المصلحة والمفسدة عموماً وخصوصاً وجهيّاً أي عموماً من وجه وخصوصاً من آخر (4).
وجه
وقد تناول ابن عاشور إشكالية اختلاط المصلحة بالمفسدة، ومسألة الأفعال التي يتحقق بها الصلاح عند تفسير قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهُ لَكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]، حيث ذكر أنَّ في القصد من بيان الحكمة هنا التخفيف من مشقة التكليف، وتعويد المسلمين تلقي الشريعة معللة مذللة، وأن حكمة التكليف تعتمد المصالح ودرء المفاسد، ولا تعتمد ملاءمة الطبع ومنافرته، إذ قد يكره الطبع شيئاً وفيه نفعه وقد يحب شيئاً وفيه هلاكه، وذلك باعتبار العواقب والغايات، فإن الشيء قد يكون لذيذاً ملائماً ولكن ارتكابه يفضي إلى الهلاك، وقد يكون كريهاً منافراً وفي ارتكابه صلاح، مشيراً إلى أنَّ حكمة الله تعالى بنت نظام العالم
(1) ابن عاشور: المرجع السابق، ص 203. (2) انظر: ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج 2، ص 301.
(3) أولها: أن يكون النفعُ أو الضر محققاً مطّرداً .. ثانياً: أن يكون النفعُ أو الضر غالباً واضحاً تنساق إليه عقول العقلاء والحكماء بحيث لا يقاومه ضده عند التأمل. وهذا أكثر أنواع المصالح والمفاسد المنظور إليها في التشريع .. الثالث: أن لا يمكن الاجتزاء عنه بغيره في تحصيل الصلاح وحصول الفساد .. الرابع: أن يكون أحد الأمرين من النفع أو الضر ـ مع كونه مساوياً لضده - معضوداً بمرجح من جنسه. الخامس: أن يكون أحدهما منضبطاً محققاً والآخر مضطرباً .. انظر: ابن عاشور:
مقاصد الشريعة الإسلامية ص 206، وما بعدها.
(4) ابن عاشور: المرجع السابق، ص 211.