النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦١٩فقه الغاية ودورها في الشرع الإسلامي
د. خالد بن سعيد بن يوسف تفوشيت
619
على وجود النافع والضار والطيب والخبيث من الذوات والصفات والأحداث، وأوكل للإنسان سلطة هذا العالم بحكم خلقه الإنسان صالحاً للأمرين وأراه طريقي الخير والشر، ولعل وجود الأشياء الضارة لتكون آلة لحمل ناس على اتباع النافع، وجعل الكمال الإنساني حاصلا عند حصول جميع الصفات النافعة فيه، بحيث إذا اختلت بعض الصفات النافعة منه انتقصت بقية الصفات أو اضمحلت، فالله حدد للناس نظاماً لاستعمال الأشياء النافعة والضارة فيما خلقت لأجله، فالتبعة في صورة استعمالها على الإنسان، وهذا النظام كله تهيئة لمراتب المخلوقات في العالم الأبدي عالم الخلود وهو الدار الآخرة).
فلا وجود لمصالح ومفاسد خالصة في الدنيا، إِنَّمَا العبرة بالجهة الغالبة، قال العزُّ بن عبد السلام: «واعلم أَنَّ المصالح الخالصة عزيزة الوجود، فَإِنَّ المآكل والمشارب والملابس والمناكح والمراكب والمساكن لا تحصل إلَّا بنصب مقترن بها، أو سابق أو لاحق، وَأَنَّ السعي في تحصيل هَذِهِ الأشياء كُلِّهَا شاقٌ على معظم الخلق، لا يُنال إلَّا بكدِّ وتعب، فإذا حصلت اقترن بها من الآفات ما ينكدها وينغصها … ».
وما من مصلحة إِلَّا وفيها مفسدة ولو بعيدة، وكذا المفاسد الدُّنيَويَّة ليست محضةً، فالدنيا دار ابتلاء بكلا القبيلين: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِ وَالْخَيْرِ فِتْنَةٌ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35]. «فالمصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا إِنَّمَا تُفهم على مقتضى ما غَلَبَ، فإذا كان الغالب جهة المصلحة، فهي
المصلحة المفهومة عُرفاً، وإذا غلبت الجهة الأخرى فهي المفسدة المفهومة عرفاً … ».
المقاصد العامة غايات عامة يهدف الشارع إلى تحقيقها في أكثر أو كل أبواب الشريعة تعد المقاصد العامة غايات عامة تلتقي عندها كل أحكام الشريعة بحيث لا يكون حكم منها إلا وهو منته في غايته البعيدة إلى تحقيقها)، والمقاصد العامة للشريعة: «هي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغايتها العامة والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها، ويدخل في هذا أيضاً معانٍ من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة» (5).
(1) انظر: ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج 2، ص،321 322، وما بعدها.
(2) العز بن عبد السلام قواعد الأحكام، تحقيق: محمود بن التلاميد الشنقيطي، دار المعارف، بيروت: لبنان، ج 1، ص 5. (3) أبو إسحاق الشاطبي: الموافقات، ج 2، ص 20.
(4) انظر: عبد المجيد النجار: مقاصد الشريعة بأبعاد جديدة، دار الغرب الإسلامي، ط 2، 2008 م، ص 251.
(5) انظر: ابن عاشور: مقاصد الشريعة، ص 251.