النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٢٠

620

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

فما من حكم من أحكام الشريعة عقيدة أو عبادة أو معاملة إلا ويدرك المتأمل فيها تحقيقها بصفة مباشرة أو غير مباشرة لمقصد تحقيق الخلافة في الأرض، وحفظ نظام الأمة، ومقصد التيسير

ورفع الحرج، بحيث تصبح الشريعة بمجمل أحكامها إلى هذه المقاصد الكلية، منتهية إلى غايتها. ينطلق التنظير للمقاصد العامة التي يهدف الشارع إلى تحقيقها في أكثر أو كل أبواب الشريعة من نظرة كونية عالمية تُعدُّ أوسع نظراً وأفقاً، فهي لا تقتصر على حفظ نظام الأمة، بل حفظ نظام العالم وضبط تصرّف الناس فيه على وجه يعصم من التفاسد والتهالك، كما نرى اليوم في الانحباس الحراري ودمار البيئة، وخطر الأسلحة النووية والبيولوجية التي يعم ضررها العالم ولا يقتصر على وطن من دون آخر، ولا على أمة من دون أخرى فإنَّ مصائر أمة واحدة لا تقرره أوضاعها الداخلية فحسب وإنما يتقرّر جزء من مصيرها خارجها من أحداث العالم ومجرياته وقواه الدولية؛ ولذلك نشأت هيئة الأمم المتحدة وغيرها، ونرى اليوم العولمة، وما تحدثه من الحدّ من السلطات الوطنية وفتح الأبواب للأسواق العالمية والشركات الكبرى والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وما إلى ذلك، فحفظ نظام العالم واستدامة صلاحه يتوقف على صلاح الإنسان في عقله وعمله، وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم. وقد جعله ابن عاشور مقصداً أعلى للقرآن الكريم، حيث يقول: إن القرآن أنزله الله تعالى كتاباً لصلاح أمر الناس كافة رحمة لهم لتبليغهم مراد الله منهم قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَنَا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89]، فكان المقصد الأعلى منه صلاح الأحوال الفردية، والجماعية والعمرانية، واصطلح على تسميته المقصد العام من التشريع، في كتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية، فقال: «المقصد العام من التشريع هو حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه، وهو نوع الإنسان ويشمل صلاح عقله، وصلاح عمله، وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه» (2).

الصلاح الفردي: ويعتمد على تهذيب النفس وتزكيتها، ورأس الأمر فيه صلاح العقل بالاعتقاد؛ لأنه مصدر الآداب والتفكير، ثم صلاح السريرة الخاصة بالعبادات الظاهرة كالصلاة، والباطنة كالتخلّق بترك الحسد والحقد والكبر

(3)

ويلحق بهذين القسمين إيجاد الوازع النفساني لحراسة الصلاح المبثوث منها، فيمنعها عن الانحراف عما اكتسبه من الصلاح حتى يصير تخلقها بذلك دائماً وشبيهاً بالاختياري (4)

(1) ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج 1، ص 38.

(2) ابن عاشور: مقاصد الشريعة، ص 200. (3) انظر: ابن عاشور: المرجع السابق، ص 201.

(4) انظر: ابن عاشور: أصول النظام الاجتماعي، المؤسسة الوطنية للكتاب، تونس، ط 1، 1985 م، ص 80 - 81.