النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٢١

فقه الغاية ودورها في الشرع الإسلامي

د. خالد بن سعيد بن يوسف تفوشيت

621

الصلاح الجماعي: لم يقتصر الشارع في تشريع أحكامه على صلاح العقيدة والعمل (العبادة)، بل أراد منه صلاح أحوال الناس وشؤونهم في الحياة الاجتماعية، فالصلاح الاجتماعي يحصل بأمرين اثنين الصلاح الفردي والصلاح الذي يُعبر عنه البعض بعلم المعاملات أو السياسة المدنية ف «الأفراد أجزاء المجتمع، ولا يصلح الكل إلا بصلاح أجزائه، ومن شيء زائد على ذلك، وهو ضبط تصرف الناس بعضهم مع بعض على وجه يعصمهم من مزاحمة الشهوات ومواثبة القوى النفسانية. وهذا علم المعاملات، ويعبر عنه الحكماء بالسياسة المدنية، وهي ما فيه صلاح عموم الأمة أو الجمهور، ولا التفات منه إلى أحوال الأفراد إلا من حيث إنهم أجزاء من مجموع الأمة، وهذا هو معظم ما جاء فيه التشريع القرآني، ومنه معظم فروض الكفايات كطلب العلم الديني، والجهاد، وطلب العلم الذي يكون سبباً في حصول قوة الأمة، فانتظام أمر الأمة وجلب الصالح إليها، ودفع الضرّ والفساد عنها أهم مقصد للشريعة من التشريع.

قد

وقد نبه ابن عاشور إلى غفلة الفقهاء عن اعتبار بعض أنواع الرخص أو المشاق الاجتماعية التي الأمة، تعتري مجموع فتجعله بحاجة إلى الرخصة، ففرضوها ومثلوها في خصوص أحوال الأفراد، فقال: «غير أني رأيت الفقهاء لا يمثلون إلا بالرخصة العارضة للأفراد في أحوال الاضطرار. ونحن إذا تأملنا الرخصة فوجدناها ترجع إلى عروض المشقة والضرورة، صح لنا أن ننظر إلى عموم الضرورة وخصوصها. فقد وجدنا من الضرورات ضرورات عامة مطردة كانت تشريع عام في أنواع من التشريعات مستثناة من أصول كان شأنها المنع، مثل السلم والمغارسة والمساقاة فهذه مشروعة باطراد، وكان ما تشتمل عليه من الضرر وتوقع ضياع المال مقتضياً منْعَهَا لولا أنَّ حاجات الأمة داعية إليها، فدخلت في قسم الحاجي» (4).

وهو

سبب

ما يعبر عنه الفقهاء بقولهم: الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة، وهي من

القواعد المندرجة تحت قاعدة المشقة تجلب التيسير

(5)

•

(1) ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج 1، ص 38. (2) انظر: ابن عاشور مقاصد الشريعة، ص 280، 299 300

(3) وذلك نظراً؛ لأن الفرد عادة تشغله مصالحه التي يفني فيها كل عمره من دون أن يشعر أنه اقترب من تحقيقها، ونادراً من يشذ عن هذا السلوك. كما أن إنجاز الغالبية المطلقة من المصالح العامة يتجاوز الإمكانيات العرفية والمادية للفرد. وأن تحقيق ما يحتاجه المجتمع من مرافق يتطلب الاستمرارية والتخطيط وهو ما يتعذر على العمل الفردي، كما أنّ من المصالح ما يتعارض طبيعته مع إسناد التقرير فيها إلى الفرد مثل القواعد المنظمة للمجتمع. انظر: أحمد الخمليشي (2008) جمود الفقه الإسلامي أسبابه التاريخية والفكرية ومحاولة العلاج سلسلة: وجهة نظر، ج 6، ص 73، موقع الدكتور أحمد الخمليشي (www.ahmed-elkhamlichi.org). (4) انظر: ابن عاشور مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 208.

(5) وجاءت بلفظ: الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة، وبلفظ الحاجة العامة إذا وجدت أثبتت الحكم في حق من ليس له حاجة، والمراد بالقاعدة: أن الحاجة إذا عمت أكثر الناس فإنها تنزل منزلة الضرورة التي تكون لأحد الأفراد أو عمومهم في جواز الترخيص، وليس معناها أن الحاجة مطلقاً لأي شخص تنزل منزلة الضرورة، وتفترق الحاجة عن الضرورة =