النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٢٢

622

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الصلاح العمراني: وهو أوسع من المقصدين السابقين، إذ هو حفظ نظام العالم الإسلامي، وضبط تصرف الجماعات، والأقاليم بعضهم مع بعض على وجه يحفظ مصالح الجميع، ورعي مصالح الكلية الإسلامية، وحفظ المصلحة الجامعة عند معارضة المصلحة القاصرة لها، ويسمى هذا بعلم العمران وعلم الاجتماع، وعدَّ ابن عاشور التهاون فيه من أسباب تأخر العلوم عند المسلمين عموماً والفقه خصوصاً (2)، فهو يربط بين الصلاح الفردي وبين الصلاح الجماعي والعمراني، فالإنسان هو المستخلف في هذا العالم، وفي صلاحه صلاح العالم وأحواله؛ ولذلك عالج الإسلام صلاح الإنسان بصلاح أفراده الذين هم أجزاء نوعه، وبصلاح مجموعه وهو النوع كله. فابتدأ الدعوة بإصلاح الاعتقاد الذي هو إصلاح مبدأ التفكير الإنساني الذي يسوقه إلى التفكير الحق في أحوال هذا العالم، ثم عالج الإنسان بتزكية نفسه وتصفية باطنه لأن الباطن محرّك الإنسان إلى الأعمال الصالحة، وبذلك ينصلح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه. وهنا يظهر جلياً البعد الجماعي على مستوى الأمة، الذي سعى ابن عاشور إلى تأصيله وجعله الأعلى والأولى بناء على استقراء موارد الشريعة الدالة على غاياتها ومقاصدها من التشريع، بحيث يستطيع هذا الإنسان باتباع تعاليمه والعمل وفق أحكامه وتشريعاته وتوجيهاته، وتمثل قيمه

وإرشاداته أن يقيم مجتمعه على أرسخ أساس، ويشيّد حضارته على أدوم قوام).

فابن عاشور يريد أن يصحح ويوازن ويعدل الكفة؛ لأن مصالح الأفراد أخذت كامل العناية والرعاية من الفقهاء الأصوليين والمقاصديين، بخلاف الأمة ومصالحها ومقاصدها، فهي ضامرة

(5)

عند عامة المتقدمين منهم على حد تعبير الريسوني

(6)

بأنها مبنية على التوسع والتسهيل فيما يسع العبد تركه. انظر: محمد صدقي البورنو، وأبو الحارث الغزي: موسوعة القواعد الفقهية، الرياض السعودية مكتبة التوبة بيروت لبنان، دار ابن حزم، ط 1، ج 3، ص 67، 86. (1) انظر: ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج 1، ص 38.

(2) انظر: ابن عاشور: أليس الصبح بقريب، تحقيق: محمد الطاهر الميساوي، دار التجديد للطباعة والنشر والترجمة، ط 1، 2002 م، ص 212، 233، 234.

(3) ابن عاشور مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 200، 202.

(4) انظر: الميساوي: في مقدمة تحقيقه مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور، ص 53.

(5)

حصر

الأصوليون المخاطب بأحكام الشريعة في الفرد وحده وذلك عندما عرفوا الحكم بأنَّه خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلف، وسايرهم الفقهاء فاعتبروا جميع الواجبات موجهة إلى الفرد بوصفه المطلوب شخصياً بالتنفيذ بمعزل واستقلال عن الأفراد الآخرين جزء منها واجبة على كل فرد بصفة عينية، والجزء الآخر واجب على مجموع الأفراد لكن إذا قام به البعض سقط الوجوب عن الآخرين، وهو ما أطلقوا عليه بفروض الكفاية، وكذلك الأمر بالنسبة لخطاب الوضع. فكل ما يميزه عن خطاب التكليف هو كون الفرد المخاطب به قد يكون غير متوفر على بعض شروط المكلف. انظر: أبو حامد الغزالي: المستصفى، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، بيروت لبنان، دار الكتب العلمية، ج 1، ص 45. وانظر حسن الترابي: قضايا التجديد نحو منهج أصولي، الخرطوم السودان، معهد البحوث والدراسات الاجتماعية، ص 196، 200. وأحمد

الخمليشي: جمود الفقه الإسلامي أسبابه التاريخية والفكرية ومحاولة العلاج، ج 6، ص 73. (6) انظر: أحمد الريسوني: المقاصد في العصر الحديث (7) موقع أحمد الريسوني، 2009/ 5/5.