النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٢٣

فقه الغاية ودورها في الشرع الإسلامي

د. خالد بن سعيد بن يوسف تفوشيت

623

فإذا كان أعلى المقاصد الشرعية على ما ضبطه ابن عاشور سابقاً وما ضبطه علال الفاسي بقوله: «المقصد العام للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض وحفظ التعايش فيها، واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها، وقيامهم بما كلّفوا به من عدل واستقامة، ومن صلاح في العقل والعمل وإصلاح في الأرض واستنباط لخيراتها، وتدبير لمنافع الجميع».

وهذا يظهر لنا ضرورة إبراز التكامل بين أجزاء المقصد الأعلى من القرآن، أو المقصد العام من التشريع؛ ليكون في النهاية صلاحاً عمرانياً، لا يمكن الوصول إليه من دون الصلاح الفردي والجماعي، فتحقق الأدنى شرط لوجود الأعلى، وتعليل ذلك: إن المجتمع البشري أو الأمة عبارة عن مجموعة من الناس هي كل ملتئم من أجزاء هي الأفراد، فلا جرم كان إصلاح المجتمع متوقفاً بادئ الأمر على إصلاح الأفراد، فإذا صلحت حصل من مجموعتها الصالحة مجتمع يسوده الصلاح، ثم هو محتاج إلى أسباب أخرى من الصلاح زائدة على أسباب صلاح الأفراد، وتلك هي أسباب صلاح نواحي الهيئة الاجتماعية في أحوال علاقات بعض أفرادها ببعض؛ لأن حالات التجمع تبعث عوارض جديدة لم تكن موجودة في أحوال انفراد الأفراد، وقد تطغى بقوتها الاجتماعية على ما تقف عليه الأفراد من الكمالات فتحجبها أو تزيلها بالمرة بحكم الاضطرار لمسايرة دواعي الأحوال الاجتماعية، فلم يكن بد لشريعة الإصلاح من وضع قوانين زائدة على قوانين إصلاح الأفراد»، فالصلاح العمراني مبني على الصلاح الفردي والجماعي. والمتتبع لمراحل تطور التشريع الإسلامي يستطيع أن يقف على هذه المقاصد والغايات، فيدرك مقصد الشريعة من الوصول إلى الإصلاح المطلوب، ومدى استعداد الإنسان للكمال، وسعيه إليه بالتدرج في مدارج تزكية النفس، وذلك ابتداء من البعثة إلى ما بعد الهجرة، حيث اهتمت المرحلة الأولى بمكة بالإصلاح الفردي، بينما اهتمت المرحلة الثانية بالمدينة بالإصلاح الاجتماعي، التي تكونت فيها جماعة كاملة الأهبة لما يناط بعهدتها من الإصلاح، فكان الإسلام يومئذ حقيقاً بأن يسرع في إصلاحه الاجتماعي وتأسيس قواعده وإشادة صروحه بما يتمشى مع غاياته الكبرى

ومقاصده العامة (3).

حفظ الفطرة

يرى ابن عاشور أن المقصد العام من التشريع لا يعدو أن يساير حفظ الفطرة والحذر من خرقها واختلالها، فكل ما يفضي إلى خرقٍ فيها يُعدُّ في الشرع محذوراً وممنوعاً، وما يُفضى إلى

(1) علال الفاسي مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، دار الغرب الإسلامي، ط 5، 1993، ص 45، 46.

(2) ابن عاشور: أصول النظام الاجتماعي، ص 42، 43.

(3) انظر: ابن عاشور مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 202.