النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦٢٤624
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
حفظ كيانها يعد واجباً، وما كان دون ذلك فهو منهي عنه أو مطلوب في الجملة، وما لا يمسها مباح، وإذا تعارضت مقتضيات هذا الوصف، ولم يمكن الجمع بينها في العمل، يصار إلى ترجيح أولاها وأبقاها على استقامة الفطرة).
فالفطرة أصل كلي جامع لكليات الشريعة يدخل فيها الآداب العتيقة التي اصطلح عليها كافة عقلاء البشر، وارتاضت نفوسهم بها، إذا كانت تفيدهم كمالاً، ولا تفضي إلى فساد، وذلك أصول قواعد حفظ النسب والعرض خاصة، وهي معيار صالح لتقويم الأعمال التي يأتي بها المكلف، وبهذا الأصل كان الإسلام ديناً صالحاً لجميع الأمم في جميع الأعصر (2).
وقد جعل ابن عاشور من مقتضيات الفطرة السماحة واليسر والعموم والمساواة والحرية، محاولاً إبراز العلاقة الوطيدة بين الفطرة والشريعة والتي من شأنها أن تحقق مقاصد الشريعة وغاياتها المتمثلة في نفوذها واحترام أحكامها لاعتمادها في نظره عند توجيه خطابها، على سهولة قبول أحكامها في النفوس انسجاماً مع كونها شريعة فطرية سمحة، يستوي فيها البشر في الدعوة والتشريع استواءهم في الخلقة ومتشوقة إلى الحرية، وليست نكاية ولا حرجاً، فكانت الفطرة هي أساس مقاصدها كلها، وخير دليل على ذلك تلك المظاهر التسعة لأصل الفطرة في التشريع، فبهذا الأصل: أصل الفطرة كان الإسلام ديناً صالحاً لجميع الأمم في جميع الأعصر» (3).
المقاصد الخاصة غايات خاصة يهدف الشارع إلى تحقيقها في مجال تشريعي محدد تعد المقاصد الخاصة غايات خاصة تهدف الشريعة إلى تحقيقها في باب معين، أو في أبواب متجانسة من أبواب التشريع كالأحكام العائلية والتصرفات المالية وهي: «الكيفيات المقصودة للشارع لتحقيق مقاصد الناس، النافعة، أو لحفظ مصالحهم العامة في تصرفاتهم الخاصة، كي
(1) انظر: ابن عاشور: المرجع السابق، ص 194.
(2) ونظراً لغياب التنظير لهذا الوصف في مباحث الأصوليين، فقد حاول ابن عاشور أن يلفت أنظار الفقهاء إلى أهميته، ومن ثم العناية به وملاحظته في فقههم، فجعله طريقاً إلى جلب الصلاح ودرء الفساد، وعليه فلا يمكن فهم أصول هذه الشريعة إلا على أساس تام من التفقه العميق لطبيعة مقومات الفطرة الإنسانية، فسعى إلى التنظير لهذا المقصد في كتابه المقاصد وتفسيره التحرير والتنوير بتحديد مفهومه، وبيان مقتضياته، وإبراز مظاهره والاستناد إليه في بعض الاستنباطات والترجيحات الفقهية؛ مما أكسب هذا المقصد القيام بالدور التأسيسي في البناء للتنظير المقاصدي عند ابن عاشور، وبين معنى وصف الإسلام بأنّه فطرة الله بأنّ أصل الاعتقاد فيه جار على مقتضى الفطرة العقلية، وأنَّ تشريعاته وتفاريعه هي أيضاً إما أن تكون أموراً فطرية جارية على وفق ما يدركه العقل ويشهد به، وإما أن تكون لصلاحه مما لا ينافي فطرته، فهي كلها راجعة إلى ما تشهد به الفطرة؛ لأن طلب المصالح من الفطرة، فاقتضى وصف الفطرة أن يكون الإسلام سمحاً يُشراً لأن السماحة واليسر مبتغى الفطرة. انظر: ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج 21 ص 92، ج 3 ص 194. وانظر ابن عاشور: المرجع السابق، ص: 194، وما بعدها.
(3) انظر: المظاهر التسعة لأصل الفطرة في التشريع عند ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج 3، ص 194.