النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦٢٥فقه الغاية ودورها في الشرع الإسلامي
د. خالد بن سعيد بن يوسف تفوشيت
625
لا يعود سعيهم في مصالحهم الخاصة بإبطال ما أُسس لهم من تحصيل مصالحهم العامة، إبطالاً عن غفلة أو عن استزلال هوىً وباطل شهوة. ويدخل في ذلك كلُّ حكمة روعيت في تشريع أحكام تصرفات الناس، مثل قصد التوثق في عقدة الرهن وإقامة نظام المنزل والعائلة في عقدة النكاح، ودفع الضرر المستدام في مشروعية الطلاق
(1)
فمجموع الأحكام الشرعية المتعلقة بأحكام الأسرة هادفة في عمومها إلى تحقيق مقصد تمتين آصرة القرابة والحفاظ عليها، ومجموع أحكام المعاملات المالية هادفة إلى مقصد حفظ مال الأمة وتوفيره لها، ومجموع أحكام القضاء والشهادة هادفة إلى تحقيق مقصد إظهار الحقوق وقمع الباطل الظاهر والخفي، وهكذا الأمر في كلّ جملة من الأحكام يجمعها نوع واحد، فإنها تكون هادفة إلى تحقيق غاية واحدة ومقصد واحد باعتبار اختصاصها بتلك الأحكام أو اشتراكها في نوعيتها. ومقاصد الناس في تصرفاتهم هي الغايات والمعاني التي لأجلها تعاقدوا، أو تعاطوا، أو
تغارموا، أو تقاضوا، أو تصالحوا، وهي قسمان:
القسم الأول: وهو أعلاها يشمل مجموعة من التصرفات الملائمة لانتظام حياتهم الاجتماعية، مثل البيع والإجارة والعارية، وما كان من أحكامها مقصوداً لذاته لكونه قِوَامَ ماهيتها، كالتوزيع في الإجارة والتأجيل في السلم والمنع من التفويت في التحبيس، ويعلم هذا النوع باستقراء أحوال البشر، ويطلق عليها البعض حقوق الله، والمراد بها حقوق الأمة، أو حق من يعجز عن حماية حقه، وهي الحقوق التي تحفظ تصرفات الناس في اكتساب مصالحهم الخاصة بأفرادهم أو بمجموعهم من أن تتسبب في انخرام تلك المقاصد، وتحفظ حق كلِّ من يُظنُّ به الضعف عن حماية حقه مثل حق بيت المال، والقاصر، وحضانة الصغير الذي لا حاضن له
والقسم الثاني: وهو دون القسم الأول، يقصده فريق من الناس أو آحاد منهم في تصرفاتهم، لملاءمة خاصة بأحوالهم مثل الكراء المؤبد المعروف بالإنزال في تونس، وبالحِكْر في مصر، ويعبر عنها بالجلسة في المغرب الأقصى، ورهن غلة الوقف الخاص، أو أوقاف الذرية في بلاد الجريد التونسي، وبيع الوفاء عند الحنفية في كروم بخارى وهذا القسم يُتَعرَّف بالأمارة والقرينة والحاجة الطارئة، ويطلق على هذا القسم بحقوق العباد، وهي التصرفات التي يجلبون بها لأنفسهم ما يلائمها، أو يدفعون بها عنها ما ينافرها، من دون أن يفضي إلى انخرام مصلحة عامة، أو خاصة، أو جلب مصلحة عامة، أو مضرة خاصة في تحصيل مصلحة غيره، وحقوق العباد هي الغالب، أو هي كيفيَّاتُ
(1) ابن عاشور: مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 416.
(2) انظر: عبد المجيد النجار: مقاصد الشريعة بأبعاد جديدة، ص 41 - 42.
(3) انظر: ابن عاشور مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 216 - 217.