النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦٢٦626
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
وبيان
انتفاعهم بما خلق الله في الأرض التي أوجدهم عليها، وقد قضت الشريعة في تعيين أصحاب الحقوق أولوية بعض الناس ببعض الأشياء، أو بيان كيفية تشاركهم في الانتفاع بما يقبل التشارك، على طريق فطري عادل، لا تجد النفوس فيه نفرةً، ولا تُحِسُّ في حكمه بهضيمة، فتعيين أصول الاستحقاق أكبر الغايات وأعظم أُسس التشريع وأثبته في معاملات الأمة بعضها مع بعض).
المقاصد الجزئية غايات جزئية يهدف الشارع إلى تحقيقها في كل حكم مستقل من الأحكام الجزئية
وهي
الصلاة
والمراد بها مقاصد الشارع في كل حكم من الأحكام على انفراد، أو «هي تلك المقاصد التي تهدف إلى تحقيقها آحاد الأحكام الشرعية خاصة بها، بحيث يكون المقصد منسوباً إليها آحاداً، مختصاً بها أفراداً، وذلك نحو معرفة مقصد الشارع من الغسل من الجنابة والوضوء أو الصلاة أو الحج، فقد ذكر ابن عاشور عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلِ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِن كُنتُم مَضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًا غَفُورًا﴾ [النساء: 43] أنَّ الحكمة في مشروعية الغسل النظافة، مشيراً إلى إناطة ذلك بأداء الصلاة ليكون المصلّي في حالة كمال الجسد، كما كان حينئذ في حال كمال الباطن بالمناجاة والخضوع، فجعل ذلك مرتبطاً بأعظم عبادة صير الطهارة عبادة كذلك، وكذلك القول في مشروعية الوضوء، وفي ذلك يقول: «ومن أبدع الحكم الشرعية أنّها لم تنط وجوب التنظف بحال الوسخ؛ لأنّ مقدار الحال من الوسخ الذي يستدعي الاغتسال والتنظف مما تختلف فيه مدارك البشر في عوائدهم وأحوالهم، فنيط وجوب الغسل بحالة لا تنفك عن القوة البشرية … كان نوط الاغتسال بالجنابة إناطة بوصف ظاهر منضبط فجعل هو العلة أو السبب، وكان مع ذلك محصّلاً للمناسبة المقتضية للتشريع، وهي إزالة الأوساخ عند بلوغها مقداراً يناسب أن يزال مع جعل ذلك مرتبطاً بأعظم عبادة وهي الصلاة، فصارت الطهارة عبادة كذلك، وكذلك القول في مشروعية الوضوء، على أنّ في الاغتسال من الجنابة حكمة أخرى، وهي تجديد نشاط المجموع العصبي الذي يعتريه فتور باستفراغ القوة المأخوذة من زبد الدم، بحسب ما تفطّن لذلك الأطباء فقُضيت بهذا الانضباط حِكَمٌ عظيمة» (3).
فالمقصد الشرعي من الأمر بإقامة الصلاة يرجع إلى ما فيها من الصلاح النفساني «وهذا المعنى من النهي عن الفحشاء والمنكر هو من حكمة جعل الصلوات موزعة على أوقات من النهار
(1) انظر: ابن عاشور: المرجع السابق، ص 416 417، 421 - 422. (2) انظر: عبد المجيد النجار: مقاصد الشريعة بأبعاد جديدة، ص 42. (3) ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج 5، ص 65.