النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٢٨

628

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

حصاد الثّمار … هو قطعها لادّخارها، وأمَّا حصاد الزّرع فهو قطع السنبل من جذور الزّرع ثمّ يُفرك الحبّ الذي في السنبل ليدخر».

فالمقصد من إيجاب الزكاة في قوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) هو سد الخلة، وذلك لا يكون غالباً إلا في ما يقتات ويدّخر.

(2)

وفي ذلك يقول إسماعيل الجيطالي: اعلم أنَّ الله و شرع الزكاة في أموال الأغنياء وجعلها حقاً واجباً للفقراء، حكمة ألف بها بين قلوب العباد لتثبت المودة بين ذوي الفاقة والأغنياء في أقطار البلاد، ويقع منهم التعاون والتناصر على الحق وسبيل الرشاد … » (3).

والمقصد من تشريع الصيام هو تزكية النفس وارتياضها على ترك الشهوات، وإثارة الشعور بما يلاقيه أهلُ الخصاصة من ألم الجوع، واستشعار المساواة بين أهل الجدة والرفاهية وأهلِ الشظف في أصول الملذات، ليرتقي المسلم به عن حضيض الانغماس في المادة إلى أوج العالم الروحاني، فهو وسيلة للارتياض بالصفات الملكية والانتفاض من غبار الكدرات الحيوانية، والذي به صلاح حال الأفراد المكونين للمجتمع (4)

فالصوم يؤدي إلى الاقتصاد في إمداد القوى الحيوانية وتعود الصبر بردها عن دواعيها … وهو أبلغ إلى القصد وأظهر في ملكة الصبر، وبذلك يحصل للإنسان دربة على ترك شهواته، فيتأهل للتخلق بالكمال فإن الحائل بينه وبين الكمالات والفضائل هو ضعف التحمل للانصراف عن هواه وشهواته» (5).

اتقاء

فالمقصد الشرعي منه هو التقوى كما في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ والتقوى الشرعية هي المعاصي، فكان الصوم موجباً لاتقاء المعاصي الناشئة من دواع طبيعية كالغضب والشهوة الطبيعية التي قد يصعب تركها بمجرد التفكر فجعل الصيام وسيلة لاتقائها؛ لأنه يُعَدِّل القوى الطبيعية التي هي داعية تلك المعاصي، ليرتقي المسلم به عن حضيض الانغماس في المادة إلى أوج العالم الروحاني، فهو وسيلة للارتياض بالصفات الملكية والانتفاض من غبار الكدرات الحيوانية … ففي الصوم وقاية من الوقوع في المآثم ووقاية من الوقوع في عذاب الآخرة، ووقاية من العلل والأذواء الناشئة عن الإفراط في تناول اللذات).

(1) ابن عاشور: المرجع السابق، ج 8، ص 122.

203

(2) انظر: تفصيل هذه المسألة عند ابن رشد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار الفكر، بيروت لبنان، 1995 م، ج 1، ص (3) أبو طاهر إسماعيل الجيطالي: قواعد الإسلام، تحقيق: باكلي عبد الرحمن المطبعة العربية غرداية: الجزائر، ط 1976 م، ج 2، ص 7. (4) انظر: ابن عاشور التحرير والتنوير، ج 2، ص 158. (5) المرجع السابق نفسه. (6) المرجع السابق نفسه.