النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦٢٩فقه الغاية ودورها في الشرع الإسلامي
د. خالد بن سعيد بن يوسف تفوشيت
629
والمقصد الشرعي من توقيت عبادة الحج؛ ليكون أخف على المكلفين، فإن الصعب يخف بالاجتماع وليكون حالهم في تلك المدة متماثلاً فلا يشق أحد على آخر في اختلاف أوقات الأكل والنوم ونحوهما؛ لأنّ عدم ضبطه سبب لتخالف الناس في مجيئهم له، فلا يحصل المقصود الشرعي من اجتماعهم فيه
والمقصد الشرعي من تحريم الميتة هو: أنَّ الحيوان لا يموت غالباً إلّا وقد أصيب بعلة والعلل مختلفة وهي تترك في لحم الحيوان أجزاء منها فإذا أكلها الإنسان قد يخالط جزءا من دمه جراثيم الأمراض، مع أن الدم الذي في الحيوان إذا وقفت دورته غلبت فيه الأجزاء الضارة على الأجزاء النافعة، ولذلك شرعت الذكاة؛ لأن المذكى مات من غير علة غالباً ولأن إراقة الدم الذي فيه تجعل لحمه نقياً مما يخشى منه أضرار» (2).
ومقصد الشارع من تحريم الدم هو: أنَّ شربه يورث ضراوة في الإنسان فتغلظ طباعه ويصير كالحيوان المفترس، وهذا مناف لمقصد الشريعة؛ لأنها جاءت لإتمام مكارم الأخلاق وإبعاد الإنسان عن التهور والهمجية، ولذلك قيد في بعض الآيات بالمسفوح أي المُهراق؛ لأنه كثير لو تناوله الإنسان اعتاده ولو اعتاده أورثه ضراوة، ولذا عفت الشريعة عما يبقى في العروق بعد خروج الدم المسفوح بالذبح أو النحر، وقاس كثير من الفقهاء نجاسة الدم على تحريم أكله وهو مذهب مالك، ومداركهم في ذلك ضعيفة، ولعلهم رأوا مع ذلك أن فيه قذارة». وهذه إشارة من ابن عاشور إلى ارتباط المقاصد الشرعية بمكارم الأخلاق في الإسلام.
والمقصد من تحريم لحم الخنزير هو: أنه يتناول القاذورات بإفراط فتنشأ في لحمه دودة مما يقتاته لا تهضمها معدته فإذا أصيب بها أكله قتلته»)، فلحمه (يشتمل على جراثيم مضرّة لا تقتلها حرارة النار عند الطبخ، فإذا وصلت إلى دم آكله عاشت في الدم فأحدثت أضراراً عظيمة، منها مرض الديدان التي في المعدة» (5).
ويضيف أطفيش مقاصد أخرى تتعلّق بصفات الخنزير وطباعه السيئة، فيقول: «وفي الخنزير الغيرة يرى خنزيراً على أنثاه ولا يتعرض له، وله غرض عظيم ورغبة
صفات رديئة منها:
أنه
عديم
شديدة في المشتهيات، فحرم
أكله لئلا يرث
أكله تلك الصفات» (6).
(1) انظر: ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج 2، ص 194، ج 10، ص 196.
(2) ابن عاشور: المرجع السابق، ج 2، ص 117.
(3) ابن عاشور: المرجع السابق، ج 2، ص 118.
(4) ابن عاشور: المرجع السابق، ج 2، ص 118.
(5) ابن عاشور: المرجع السابق، ج 6، ص 90.
(6) محمد بن يوسف أطفيش: تيسير التفسير للقرآن الكريم، مكتبة الضامري، السيب: سلطنة عُمان، ج 3، ص 14.