النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦٣٠630
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
فمقصد التحريم يرجع إلى الأضرار التي تصيب الأكل منها سواء في جسده كالجراثيم والديدان التي تحدث أمراضاً مستعصية تؤدي به أحياناً إلى هلاك نفس وطبع أكلها، أو فساد أخلاقه وتغلظ طباعه كالضراوة والهمجية والتهور فتجتمع فيه الصفات السبعية المتوحشة، وذلك مما يتنافى مع مقاصد الشريعة التي جاءت لتتمم مكارم الأخلاق.
ومقاصد الشارع من إيتاء ذي القربى مقارب للمقصد من الإحسان للوالدين رعياً لاتحاد المنبت القريب، وشدّاً لآصرة العشيرة التي تتكون منها القبيلة، وفي ذلك صلاح عظيم لنظام القبيلة وأمنها وذبها عن حوزتها.
والمقصد الشرعي من إيتاء المسكين انتظام المجتمع بأن لا يكون من أفراده من هو في بؤس وشقاء، على أن ذلك المسكين لا يعدو أن يكون من القبيلة في الغالب أقعده العجز عن العمل
والفقر عن الكفاية.
والمقصد من إيتاء ابن السبيل إكمال نظام المجتمع؛ لأن المارّ به من غير بنيه بحاجة عظيمة إلى الإيواء ليلاً ليقيه من عوادي الوحوش واللصوص، وإلى الطعام والدفء، أو التظلل وقاية من إضرار الجوع والقرّ أو الحر.
وأما المقصد من النهي عن التبذير فيظهر عند ابن عاشور من خلال الغرض الذي جعل المال عوضاً لاقتناء ما يحتاج إليه المرء في حياته من ضروريات وحاجيات وتحسينات. وكان نظام القصد في إنفاقه ضَامِنَ كفايته في غالب الأحوال بحيث إذا أنفق في وجهه على ذلك الترتيب بين الضروري والحاجي والتحسيني أمن صاحبه من الخصاصة في ما هو إليه أشد احتياجاً، فتجاوز هذا الحد فيه تبذيراً بالنسبة إلى أصحاب الكفاف، وأما أهل الوفر والثروة فيجب أن يكون ذلك الوفر محفوظاً لإقامة أود المعوزين وأهل الحاجة، فهو مرصود لإقامة مصالح العائلة والقبيلة وبالتالي مصالح الأمة؛ لأن من مقاصد الشريعة أن تكون أموال الأمة عُدة لها وقوة لابتناء أساس مجدها، والحفاظ على مكانتها حتى تكون مرهوبة الجانب مرموقة في الاعتبار غير محتاجة إلى من قد يستغل حاجتها ويبتز منافعها (1).
يسمى
وقصد الشريعة من تحريم الربا هو: حمل الأمة على مواساة غنيّها محتاجها احتياجاً عارضاً موقتاً بالقرض، فهو مرتبة دون الصدقة، وهو ضرب من المواساة إلا أنّ المواساة منها فرض كالزكاة، ومنها ندب كالصدقة والسلف، فإن انتدب لها المكلّف حرّم عليه طلب عوض عنها، وكذلك المعروف كُلّه … ويمكن أن يكون مقصد الشريعة من تحريم الرّبا البعد بالمسلمين عن الكسل في استثمار المال، وإلجاءهم إلى التشارك والتعاون في شؤون الدنيا، فيكون تحريم الربا، ولو كان
(1) انظر: ابن عاشور التحرير والتنوير، ج 15، ص 77، 79.