النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦٣١فقه الغاية ودورها في الشرع الإسلامي
د. خالد بن سعيد بن يوسف تفوشيت
631
قليلاً، مع تجويز الربح من التِّجارة والشركات ولو كان كثيراً تحقيقاً لهذا المقصد». فقد بنى ابن عاشور مقصد تحريم الربا بتمييز المواهي والمعاني تمييزاً لا يقبل الاشتباه، وذلك بمعرفة خواص المواهي الشرعية في أصل التعامل بالربا، فالفرق واضح في العرف بين التعامل وبين التداين، كما هو واضح بين البيع وبين الربا، فهل القصد من التداين هو الربح كما في البيع، أم أنه لقصد سد حاجة المتسلّف - المواساة - وبما أنّ البيع معاملة من جانبين وببذل العوضين، والربا معاملة من جانب واحد هو جانب المسلف، فقد أبيح للمتعاوضين في البيع الربح، ولم يُبَح للمتعاقدين في التداين؛ لاختلاف المعنى والخواص، فلذلك كان على المسلف إما أن يعطي لسد الحاجة وإما أن يمسك.
قصداً
فالشرع ميز هاته المواهي بعضها عن بعض بحقائقها الذاتية لا باختلاف أحوال المتعاقدين، فلذلك لم يسمح لصاحب المال في استثماره بطريقة الرّبا في السلف، ولو كان المستسلف غير محتاج، بل كان طالب سعة وإثراء بتحريك المال الذي يتسلّفه في وجوه الربح والتجارة ونحو ذلك، وسمح لصاحب المال في استثماره بطريقة الشركة والتِّجارة ودين السَّلَم، ولو كان الربح في ذلك أكثر من مقدار الرّبا تفرقة بين المواهي الشرعية (2)
أما مقصد الشرع من نظام العقوبات على الجنايات ضمان الأمن، وحفظ استقرار الحياة، ولردع الذين يشذون عن منهج الحياة والعقوبات في نظام الإسلام متنوعة منها ما رسمت له حدود يصح تجاوزها، ومنها ما وكل إلى نظر الحكام واجتهادهم، والحدود المشروعة منها ما شرع لصون الأنفس، ومنها ما شرع لصون الأعراض ومنها ما شرع لصون الأموال (3).
لا
وقد عدَّ أحمد بن حمد الخليلي الأخلاق أسس الاجتماع، وجزم بأن العنصر الخلقي لا يعدم في أي جزء من التشريع القرآني فقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم الغاية من رسالته في قوله: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، والله تعالى عندما أثنى عليه ما وصفه بالخلق العظيم حيث قال فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
وجعل مدار الأخلاق والاجتماع في الإسلام على الطهارة، فالمقصد والغاية من تشريعاته هو طهارة الضمير، وطهارة الفكر، وطهارة الوجدان، وطهارة اللسان، وطهارة واقع الحياة، حيث حرص
(1) ابن عاشور التحرير والتنوير، ج 4، ص 86، 87.
(2) انظر: ابن عاشور التحرير والتنوير، ج 4، ص 86 87 وانظر ابن عاشور: مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 275. (3) انظر: أحمد الخليلي جواهر التفسير، ج 1، ص 115.
(4) رواه البيهقي في السنن الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، ط 1994، رقم: 20571، ج 10، ص 191.