النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٣٣

فقه الغاية ودورها في الشرع الإسلامي

د. خالد بن سعيد بن يوسف تفوشيت

633

الشريعة التي تنطوي على كل ما يمكن أن يقع من حوادث وأحكام؛ وليست المقاصد الشرعية من مصادر تشريع خارجية … بل الأدلة الأصلية والمقاصد جزء من المصادر الأساسية للتشريع الإسلامي؛ والحكم الذي نأخذه بطريق المصلحة أو الاستحسان أو غير ذلك من ضروب المآخذ الاجتهادية يعتبر حكماً شرعياً، أي خطاباً من الله متعلقاً بأفعال المكلفين؛ لأنه نتيجة الخطاب الشرعي الذي يتبين من تلك المقاصد التي هي أمارات للأحكام التي أرادها الله وأرشدنا إليها عن طريق ما أوضحه في كتابه وسنة نبيه من غايات للأحكام ومقاصد للشريعة».

ولا يبعد هذا المعنى عن الاستعمال الأصولي للاستدلال، فقد ذكر له ابن عاشور معنيين: الأول: هو إيجاد دليل على حكم شيء بالأخذ بلازم حكم له أو لغيره كإشارة النص. الثاني: هو أخذ دليل شرعي عن طريق تتبع مقاصد الشريعة أو مواردها (2).

أي: الاستدلال المؤسس على مقاصد الشريعة من خطابها أو من أحكامها، بعض المعاصرين بمصطلح الاستدلال التقصيدي

(3)

وهو ما اصطلح عليه

ولا سبيل إلى هذا العمل العلمي إلا بتأسيس القياس الفقهي على المقاصد الشرعية، فبدلاً من الاقتصار على الاستدلال بألفاظ الشريعة، وما يؤول إليها من أفعال الشارع وسكوته، تقاس الحالات المستجدة على الأصول المقصودة في التشريع، وهي المقاصد الشرعية بما يسهم في توسيع عملية الرد أو الإلحاق في القياس، فبدلاً من رد الفروع إلى الأصول المنصوصة باعتبار عللها الجزئية التي عبر عنها ابن عاشور بالعلل المقصودة، ترد أيضاً إلى الأصول غير المنصوصة وهي التي عبّر عنها بالمقاصد القريبة والعالية) و (المقاصد مع أدلتها الشرعية كالكلي مع جزئياته، وكالأصل مع فروعه، فبينهما تلازم وثيق وارتباط عميق من حيث البقاء والانتهاء» (5).

(4)

فاستثمار الغايات العامة والمقاصد الكلية في استنباط الأحكام بدلاً من العلل الجزئية، تجعل الحكم أكثر انسجاماً مع مقصد المشرع وغاياته، ولا يعني هذا استقلال تلك المقاصد عن الأدلة،

وجعلها تضاهي الوحي الكريم، وتهيمن عليه كما قد يفهم البعض، وإنما يعني استخدام المقاصد باعتبار كونها معاني وقواعد مستخلصة من عموم الأدلة، وسائر التصرفات والأمارات الشرعية المبثوثة في الكتاب والسُّنَّة والآثار الشرعية المتعددة، وهذا يسهم - كما يرى ابن عاشور - في بيان توجيه المقاصد لطرق التفقه الشرعي عامة ولطرق الاستنباط خاصة.

(1) علال الفاسي: مقاصد الشريعة ومكارمها، ص 45.

(2) انظر: ابن عاشور حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات التنقيح، مطبعة النهضة، تونس، د. ط، ج 2، ص 228. (3) انظر: إسماعيل الحسني نظرية المقاصد عند ابن عاشور، ص 189.

(4) ابن عاشور مقاصد الشريعة، ص 256 257. انظر: الحسني: نظرية المقاصد عند ابن عاشور، ص 437. (5) نور الدين الخادمي الاجتهاد المقاصدي، سلسلة كتاب الأمة، العدد 66، السنة الثامنة، ط 1، 1419 هـ، ج 1، ص 137.