النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٣٤

634

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

ومعنى هذا أنَّ تلك الأدلة جاءت تحمل في طياتها من خلال الأوامر والنواهي والتشريعات المختلفة مقاصد الشرع وغاياته السامية التي لا غنى للخلق عنها. فكان دورها هو استنباط الحكم الشرعي تأسيساً على فهم مقصد الشارع وغاياته.

وبسبب العلاقة بين هذه الأدلة وآليتها الكاشفة عن المقاصد والعلل والمعاني الشرعية؛ فإنَّ الصلة بين اعتماد المجتهد عليها وملاحظته للمقاصد والغايات الشرعية خلال اجتهاده هي صلة تلازمية طردية، حيث يضحى التوسع في الأخذ بها مؤذناً بنظر غائي مقاصدي. فإن الأخذ بالقياس يبحث عن علل الأحكام، ولا يكتفي بظاهر الحكم وما انطوى عليه من أمر أو نهي ونحوهما، والآخذ بالمصلحة المرسلة يأخذ في الاعتبار قصد الشارع لتحقيق مصالح الناس، وهكذا يكون الأمر بالنسبة للأخذ بالاستحسان وسد الذرائع والعرف، حيث يؤسس الاجتهاد بالنظر إلى مقاصد الشارع. يتضح مما سبق أهم المسالك التي سار عليها علماء الشريعة في الدليل الشرعي، فقد كان لفقه المقاصد والغايات دور بارز في الوصول إلى الحكم الشرعي استنباطاً وتنزيلاً، وهو ما يمكن حصره في مسالك الاجتهاد والاستدلال المقاصدي التالية:

المسلك الأول: العدول عن القياس الكلّي إلى مصلحة جزئية مراعاة للمقاصد والغايات الأصل ألا يحيد المجتهد الناظر مواضع القياس الجاري؛ لأن القياس إذا جرى واستمر صار موضعه قاعدة من القواعد الكلية، ولكنه ربما يلاحظ أنَّ إقرار حكم معيّن من الأحكام القائمة على القياس الكلي يؤدي إلى حرج شديد أو ضيق ومشقة يجلب الشارع عند بلوغها التيسير، فيعدل بذلك الحكم عن مقتضى القياس إما جلباً للتيسير عند المشقة أو دفعاً للضرر أو رعاية

للمصلحة الجزئية.

في

ومن اجتهد بهذا المسلك لم يرجع إلى مجرد الهوى والتشهي كما يقول الشاطبي: «وإنما رجع إلى ما عُلم من قصد الشارع في الجملة … كالمسائل التي يقتضي القياس فيها أمراً، إلّا أنَّ ذلك الأمر يؤدي إلى فوت مصلحة من جهة أخرى أو جلب مفسدة كذلك، وكثيراً ما يتفق هذا الأصل الضروري مع الحاجي والحاجي مع التكميلي، فيكون إجراء القياس مطلقاً في الضروري يؤدي إلى حرج ومشقة في بعض موارده، فيستثنى موضع الحرج، وكذلك في الحاجي مع التكميلي أو الضروري مع التكميلي وهو ظاهر» (1).

وهذا هو المراد بالاستحسان عند المالكية، واعتمد عليه الإباضية في الكثير من اجتهاداتهم، ومن أمثلة العدول عن مقتضى القياس الجاري إلى مصلحة جزئية مراعاةً للمقاصد والغايات:

(1) الشاطبي: الموافقات، ج 4، ص 206.