النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦٣٥فقه الغاية ودورها في الشرع الإسلامي
د. خالد بن سعيد بن يوسف تفوشيت
635
(1)
اجتهاد عمر بن الخطاب في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم حين منع أبا هريرة من تبشير الناس بما بشّره به النبي بأن يبشر بالجنة من لقيه يشهد أن لا إله إلَّا الله مستيقناً بها قلبه وهذا أمر من النبي او واجب الامتثال، وهو علم شرعي، القياس يقتضي إبلاغه ونشره للناس حتى يكونوا على علم به، ولكن عمر بن الخطاب رأى أن في تبشيرهم به مفسدة من جهة أخرى حيث إنهم سيعتمدون على هذه البشارة؛ فيتكلون عليها ولا يعملون شيئاً.
قال النووي في شرح الحديث: وفيه جواز إمساك بعض العلوم التي لا حاجة إليها للمصلحة أو خوف المفسدة (2).
جميع
منها: إن من حلف بأن ما يملكه صدقة، وبأن أمواله صدقة، فالقياس أنهما سواء في أنه يقع على ما يملكه ومن باب الاستحسان حُمِل قوله: (أموالي صدقة على أموال الزكاة، لقوله تعالى: [التوبة: 103]، فعدلوا في هذا الموضع عن الأصل الموجب للتسوية، دفعاً للضرر والمفسدة الناتجة عن ذلك مراعاةً للمقاصد والغايات التي من أجلها شرعت الصدقة.
خُذْ مِنْ
أَمْوَالِهِمْ.
صَدَقَةً
(1) الحديث رواه مسلم في صحيحه عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا قُعُوداً حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي نَفَرٍ فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا وَفَزِعْنَا فَقُمْنَا فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطاً لِلأَنْصَارِ لِبَنِي النَّجَّارِ فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بَاباً فَلَمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ فِي جَوْفِ حَائِطٍ مِنْ بِثْرٍ خَارِجَةٍ - وَالرَّبِيعِ جَدْوَل - فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ التَّعْلَبُ فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَا فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا فَفَزِعْنَا فَكُنْتُ أَوَّلَ مِنْ فَزِعَ فَأَتَيْتُ هَذَا الْحَائِطَ فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ التَّعْلَبُ وَهَؤُلاءِ النَّاسُ وَرَاءِي. فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ - وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ - قَالَ: «اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ». فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعْلانِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَقُلْتُ: هَاتَانِ نَعْلا رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَنِي بِهِمَا مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ. فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ فَخَرَرْتُ لِأَسْتِي فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَجْهَشْتُ بُكَاءً وَرَكِبَنِي عُمَرُ فَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثْتَنِي بِهِ فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ضَرْبَةً خَرَرْتُ لأَسْتِي قَالَ: ارْجِعْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: يَا عُمَرُا مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبي أَنْتَ وَأُمِّي أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ بَشَرَهُ بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فَخَلِّهِمْ). انظر: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً، حديث رقم: 31، ج 1، ص 59. [هذه الرواية فيها نظر؛ لأنها إن جاءت البشارة بالمعنى الذي جاء في كتاب الله من الإيمان والعمل الصالح (التقوى) فلا معنى لمنعه عن الناس؛ لأنه تحصيل حاصل ولم يأت النبي صلى الله عليه وسلم في هذا بجديد على ما في كتاب الله تعالى، وإن كان بالمعنى الذي يتصوره بعض السذج والغفلة من أن كلمة التوحيد لوحدها كافية في دخول الجنة من دون الإتيان بالعمل - أي دون تحقيق شرط التقوى ـ وهذا الذي يوحي به الحديث ويفهمه كثير من المرجئة؛ فهذا لا يصح نسبته للنبي أبداً؛ لأنه قدح في صدقه: {يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بلغ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ .... ) [المائدة: 67] ومخالفة لما في كتاب الله من كتمان ما
أنزله من البينات؛ فلا يصلح هذا المثال للاستدلال في هذا الصنف، والله المستعان (المراجع)]. (2) شرح النووي لصحيح مسلم، ج 1، ص 185. (3) نور الدين السالمي: طلعة الشمس، شرح شمس الأصول، تحقيق: عمر القيَّام، مكتبة الإمام السالمي ولاية البدية: سلطنة عُمان، ط 2010 م، ج 2، ص 272.