النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٣٦

=

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

636

ومنها: الأمور التي بني عليها مسلك الكتمان عند الإباضية، فجلها بنيت كما يرى الوارجلاني

على الاستحسان مستدلاً على ذلك (1)

الله

بعد كتاب الله ثم على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم: «ما رآه المسلمون

حسناً فهو «حسن»، وفي بعض الروايات: «فهو عند

الله

حسن

فثبت أنَّه قد يُترك كثير مما يحسن إبلاغه من العلم إذا رأى المجتهد أنّه يؤدي إلى مفسدة من جهة أخرى، أو يفوّت مصلحة كذلك، مع أن القياس هو نشر العلم وبسطه وإبلاغه.

المسلك الثاني: تحقيق الأقرب إلى المقصود وإن كان على خلاف الظاهر:

وهو أنَّ المجتهد يقف على مقصود الشرع وغايته من الأمر أو النهي، ثم يجد أنَّ حمل الحكم على الظاهر لا يحقق المقصود في كثير من أحواله، فيرى تقديم الأقرب إلى المقصود وإن خالف الظاهر. مثاله: القيمة والعين في زكاة الفطر فالظاهر أن تكون صدقة الفطر عيناً من غالب طعام الناس، كما في حديث ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ على الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجٍ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ».

والتزم المسلمون بظاهر الفرض فكان الصحابة - رضوان الله عليهم - يخرجون زكاة الفطر من غالب قوت الناس عيناً لا قيمة كما في حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعاً مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعاً مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعاً مِنْ زَبِيبٍ.

فرأى

في

عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وعطاء وسفيان الثوري والأحناف أنَّ التزام الظاهر في كثير من الأحوال قد لا يحقق المقصود الشرعي من زكاة الفطر، إذ مقصود الشارع منها: سدّ خلة الفقير وإغناءهم من المسألة هذا اليوم؛ لما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أغنوهم في هذا اليوم»، والإغناء كما يتحقق بالطعام يتحقق بالقيمة وربما كانت القيمة أفضل؛ لأنها أقرب إلى دفع الحاجة، ولأنَّ كثرة الطعام عند الفقير تحوجه إلى بيعها والقيمة تمكنه من شراء ما يلزمه من الأطعمة والألبسة وسائر الحاجات، فالنص هنا معلول بالإغناء» (6).

(1) أبو يعقوب الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 350.

(2) رواه البيهقي: معرفة السنن والآثار، ج 1، ص 73.

(3) رواه البخاري في صحيحه كتاب الزكاة، باب فرض صدقة الفطر، حديث رقم: 1503، ج 2، ص 130

(4) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر صاعاً من طعام، حديث رقم: 1407، ج 2، ص 131 .. (5) أخرجه الدارقطني، كتاب زكاة الفطر، تحقيق: السيد عبد الله هاشم يماني المدني، دار المعرفة، بيروت: لبنان، 1966 م، ج 2، ص 152.

(6) انظر: الكاساني: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، تحقيق: علي معوّض، وعادل أحمد، دار الكتب العلمية، بيروت: لبنان،