النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦٣٧فقه الغاية ودورها في الشرع الإسلامي
د. خالد بن سعيد بن يوسف تفوشيت
637
جمهور
وقد ناقش الشماخي آراء الفقهاء في جواز إخراج القيمة بدل عين المال الذي وجبت فيه الزكاة، وهو قول أبي حنيفة وبعض الإباضية، إذ رأوا أنَّ المقصود سدّ خلة الفقير، وذلك متحقق بعين ما وجبت به الزكاة، ومتحقق أيضاً بقيمته، ورجح رأي الجمهور الذي عليه أيضاً الإباضية؛ لأنَّ النصوص واردة بذلك، ولا يعدل عنها إلا لضرورة تقتضيها بعض الظروف 1 قال أبو يوسف: «الدراهم أحبّ إليّ من الدقيق والحنطة؛ لأنّ ذلك أقرب إلى دفع حاجة الفقير» (2).
(1)
فرأى الأحناف وبعض الإباضية، ومن وافقوهم: إِنَّ إخراج القيمة في زكاة الفطر تحقيق للأقرب إلى المقصود الشرعي وهو دفع حاجة الفقير وسدّ خلته، وإنْ كان ظاهر النصّ على خلاف ذلك.
المسلك الثالث: تقديم الأنفع والأصلح بالموازنة والمقارنة بين المصالح الدينية والدنيوية وذلك كأن يتعارض دليلان أو علتان في أحدهما تحصيل مصلحة، وفي الآخر دفع مفسدة، ولم يمكن الجمع بينهما بوجه، ففي هذه الحالة يُقدّم الدافع للمفسدة على الجالب للمصلحة؛ لأنَّ دفع المفسدة أهم من تحصيل المصلحة، وفي ذلك يقول السالمي: «اعلم أنَّه إذا عارضت المصلحةً التي تكون مقصوداً للمستدلّ مفسدة راجحة عليها، أو مساوية لها، فإن ذلك يكون قادحاً في قياس المستدل؛ لأنه مصلحة مفسدة مساوية أو راجحة؛ لأنَّ دفع الضرر أهمُّ، فيجب الحمل عليه، وأما مع إذا كانت المفسدة مرجوحةً فلا تقدح، مثاله: التخلي للعبادة أفضلُ لما فيه من تزكية النفس، فيقول المعترض: فيه مفسدة أقوى، وهي: عدم كسر الشهوة، وعدم وهذا أرجعُ من مصالح العبادة، فيجيب المستدل بترجيح المصلحة؛ لأنها لحفظ الدين؛ فهي أولى
من حفظ النسل
(4)
كف النظر، وعدم
اتخاذ الولد،
ومن ذلك ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع سعد بن أبي وقاص قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ اشد الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ بِي فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلا يَرِثُنِي إِلا ابْنَةٌ أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لا، فَقُلْتُ: بِالشَّطْرِ؟ فَقَالَ: لا، ثُمَّ قَالَ: الثَّلُثُ وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ أَوْ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةٌ تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ
ط 2، 2003 م، ج 2، ص 541، 542 وانظر يوسف القرضاوي: فقه الزكاة، مؤسسة الرسالة بيروت لبنان، ط 2، 1973 م، ج 1، ص 373، 375.
(1) انظر: الشماخي: الإيضاح، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، ط 4، 1999 م، ج 1، ص 568.
(2) الكاساني: بدائع الصنائع، ج 2، ص 541. (3) السالمي: طلعة الشمس، ج 2، ص 177. (4) السالمي: المصدر السابق، ج 2، ص 242.