النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٣٩

فقه الغاية ودورها في الشرع الإسلامي

د. خالد بن سعيد بن يوسف تفوشيت

المسلك الرابع: النظر في المآلات:

639

النظر في

وهو مجال

مآلات

مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً سواء كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، للمجتهد صعب المورد إلا أنَّه عذبُ المذاق جار على مقاصد الشريعة، ومراع لغاياتها، فالتكاليف مشروعة لمصالح العباد ومصالح العباد إما دنيوية وإما أخروية، أما الأخروية: فراجعة إلى مآل المكلف في الآخرة ليكون من أهل النعيم لا من أهل الجحيم، وأما الدنيوية: فإن الأعمال إذا تأملتها مقدمات لنتائج المصالح، فإنها أسباب لمسببات هي مقصودة للشارع والمسببات هي الأسباب فاعتبارها في جريان الأسباب مطلوب، وهو معنى النظر في المآلات). ومثال ذلك: ما ورد عن الرسول حين أراد عُمَرُ أَن يضْرِب عُنُقَ الْمُنَافِقِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ، فقال: يا رسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِب عُنُقَ هذا الْمُنافق، فقال النَّبيّ: دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّداً يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» (2)، وقوله لعائشة الى: (أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟! فَقُلْتُ:: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ، فأخبر صلى الله عليه وسلم أَنَّ تغيير البيت منكر قد وقع، حيث لم يكن البيت على قواعد إبراهيم، وَلَكِنَّهُ امتنع عن ذَلِكَ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ من نفور العرب من الإسلام، أي أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم وازن بين المصلحة والمفسدة، فقدم الأهم دفعاً للمفسدة، وامتنع عَمَّا كان يجب القيام به؛ مراعاة للغاية والمآل الذي سيؤول إليه الأمر.

قال السالمي: «وفي الحديث: ترك ما هو صواب خوف وقوع مفسدة أشدّ، واستئلاف الناس إلى الإيمان، واجتناب ولي الأمر ما يتسارع الناس إلى إنكاره وما يخشى منه تولد الضرر عليهم في دين أو دنيا، وتألف قلوبهم بما لا يترك فيه أمر واجب كمساعدتهم على ترك الزكاة وشبه ذلك، وفيه تقديم الأهم فالأهم من دفع المفسدة وجلب المصلحة، وأنهما إذا تعارضا بدئ بدفع

المفسدة)) (4).

ومن هذا النوع؛ ما فعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، حيث أوقف أرض السواد على كل المسلمين، وقَالَ: «لَوْلا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم

خَيْبَرَ (5).

195

(1) انظر: الشاطبي: الموافقات، ج 4، ص (2) رواه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ .. )، رقم 4905، ج 6،

ص 154.

(3) رواه الربيع في صحيحه كتاب الحج، باب في الكعبة والمسجد والصفا والمروة حديث رقم: 1583، ج 2، ص 146. (4) السالمي: شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 198. (5) رواه البخاري في صحيحه: كتاب فرض الخُمس، حديث رقم: 2334، ج 3، ص

106