النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦٤٠640
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
كان رأيه ألا تقسّم أرض السواد مما فتحها الله على المسلمين، وقال: كيف بمن يأتي من المسلمين يجد الأرض قد قُسمت وورثت عن الآباء، ما هذا برأي، واستشهد بقوله تعالى فيمن يأخذ من الفيء: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوَلَيْكَ هُمُ الصَّدِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ … ) [الحشر: 8 - 9]، فقالوا له: استشر. فاستشار المهاجرين الأولين فاختلفوا، فقال عبد الرحمن بن عوف تُقسم، وما الأرض والعلوج الذين بها إلّا مما أفاء الله على المسلمين، أي أنها داخلة في مفهوم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَبِيلِ … ﴾ [الأنفال: 41]، وقال عثمان وعلي وطلحة وابن عمر: توقف، فأرسل إلى عشرة من الأنصار، خمسة من الأوس، وخمسة من الخزرج من كبرائهم وأشرافهم، وأخبرهم الأمر، وما تمخض من آراء، فقالوا جميعاً: الرأي رأيك، فنعم ما قلت وما رأيت، فقال: قد بان لي الأمر، وقرر إبقاء الأرض بأيدي أهلها وضرب
(1)
الخراج عليهم يقول البيهقي في ذلك: وفي كل ذلك دلالة على أنَّ عمر الله كان يرى من المصلحة إقرار رضي الأراضي، وكان يطلب استطابة قلوب الغانمين وإذا لم يرضوا بتركها؛ فالحجة في قسمتها قائمة بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قسمته خيبر» (2).
وقال أبو يعقوب الوارجلاني: «إنه نظر إلى الفرس والروم قد انجفلت وخلت من بلادها، وتعلقت بالحصون والقلاع والجبال، فلو قسم عمر بينهم لاشتغلوا بأموالهم، فعند ذلك يكرُّ عليهم العدو وينقدع الجهاد، ويعطل المعنى الذي أراده الله بهم ووعده لهم وهي الغنائم … فرأى بحسن نظره أنْ يُسلّم الأراضي والأموال إلى أربابها ويجعل للمسلمين عليهم ضريبة يستدونهم إياها، كالخراج الذي يضرب به الواحد على عبده، ويتفرغون إلى جهاد عدوهم وافتتاح البلاد أمامهم» (3).
المسلك الخامس: تعدية الاستنباط بالنظر المقصدي
يجب على الفقيه النظر في النصّ الشرعيّ؛ ليقف على مقصود الخطاب، فيقتدر على تعدي المقصود مواضع النص، فيلحق به ما كان شبهه، وما كان أولى منه، وما ذلك إلّا بالنظر المقصدي الغائي للخطاب.
(1) انظر: محمد بن الحسن الحجوي: الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، دار التراث، القاهرة: مصر، ط 1، 1396 ه، ج 2، ص 235، 236.
(2) رواه البيهقي في السنن الكبرى حديث رقم: 2334، ج 3، ص 106. (3) الوارجلاني: العدل والإنصاف، ج 1، ص 303.