النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٤١

فقه الغاية ودورها في الشرع الإسلامي

د. خالد بن سعيد بن يوسف تفوشيت

641

فالذي قرأ حديث النبي: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها»، فمقصود الشارع من النهي عن الجمع بين المرأة، وعمتها أو المرأة وخالتها أن يكون بسبب قطيعة الأرحام، قال السالمي في شرح المسند: والعلة في تحريم الجمع بينهما خوف القطيعة بين الأرحام، وقاس بعض السلف عليه جملة القرابة، فمنع الجمع بين ابنتي العمّ وبنتي العمة والخالة».

ومن ثُمَّ تعدّى استنباطه بالنظر المقصدي إلى تحريم كل ما يوقع القطيعة والوحشة بين المسلمين وإفساد ما بينهم، مثل السعي على بعضهم في مناصب بعض ووظيفته، من غير موجب

شرعي.

فالنظر المقاصدي يعتمد المصالح جملةً وتفصيلاً، فينبغي إلحاق ما لم يعلم اعتباره منهما بما علم اعتباره لمراعاة المصلحة منه تعالى تفضّلاً على خلقه، وتكرماً على عباده، لا واجباً ولا إيجاباً … ومن ذلك جعل بعض علماء الإباضية الميراث للمطلقة في المرض ثلاثاً، فلا ترث منه قياسا على حرمان القاتل الميراث بجامع أنَّ التطليق المذكور والقتل فعل محرم لغرض فاسد، فإن الشرع لم يعتبر إثبات ميراث لمن لا ميراث له، لأجل صدور ما يسقط به لقصد إسقاطه، فلم يعتبر الشرع عين هذه العلة ولا جنسها في عين إثبات الميراث، ولا جنسه، ومن اعتبر ذلك عارضوه بنقيض قصده حتى يصير الحكم بتوريث المبتوتة معارضاً له بنقيض قصده، فإن قصد المطلق ثلاثاً في المرض حرمان الميراث، وقصد قاتل موروثه استعجال الميراث له، فألحق ما لم يعلم اعتباره منها بما عُلِمَ اعتباره مراعاة للمصلحة والنظر المقاصدي الغائي، وذلك تفضلاً وتكرّماً على خلقه (3).

كما راعى العلماء النظر المقاصدي الغائي للخطاب وموافقة المقصود الشرعي في المسألة عند إجراءات الترجيح بين المتعارضين، سواء في النصوص التي يظهر التعارض بينها، أو في الأقيسة التي تتعارض، أو الاستدلالات؛ وهذا الاتجاه يظهر جلياً ويتبيّن بوضوح حين نستعرض بعض حالات الترجيح ومذاهب العلماء فيها، في ما يلي: الحالة الأولى: إذا تعارض دليلان أحدهما يقتضي التحريم، والآخر يقتضي الإباحة، فإن العلماء كانوا في دفع هذا التعارض على ثلاثة مذاهب:

الأول: ترجيح مقتضى التحريم مطلقاً، وهو مذهب الجمهور، والإباضية، قال السالمي: «ما دَلَّ

(1) رواه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، رقم: 1408، ج 2،

ص 1028.

(2) نور الدين السالمي: شرح الجامع الصحيح، ج 3، ص 25.

(3) انظر: السالمي: طلعة الشمس، ج 2، ص 210.