النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٤٢

642

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

على التحريم مُقَدَّم على ما دَلَّ على الإباحة … أَمَّا تقديمه على ما دَلَّ على الإباحة، فَلأَنَّ الأخذ بالحظر أحوط والأحوطيَّة مطلوبة منا شرعاً … هذا قول أصحابنا».

والثاني: ترجيح مقتضى الإباحة مطلقاً، اً، وهو اختيار القاضي عبد الوهاب وأبي الفرج من المالكية، ورجّحه الآمدي من وجه.

والثالث: أنه بتعارضهما يتساوى الحظر والإباحة، فيتساقطان، وهو قول القاضي الباقلاني والغزالي وعيسى بن أبان وأبي هاشم (2).

ووجه تقديم الحظر على والإباحة أن في ارتكاب المحظور جلباً للمفاسد على النفس، وليس في ترك المبيح إثْمٌ يجلب المفسدة وهذا نظر مقصدي.

ووجه ترجيح الحاظر على الإباحة - ما ذكره ابن الحاجب والآمدي - أنَّه يستلزم من تقديم الحظر فوات مقصود الإباحة، بخلاف ترجيح الإباحة، فإنه لا يستلزم فوات مقصود التحريم؛ لأنَّ الإباحة تقتضي الترك والفعل، فهي عن التخيير الواضح، والحظر عن النهي المحتمل، فقد يترك المباح فلا يكون في ذلك فوات لمقصود التحريم إلى الترك (3).

وكما قال الآمدي: «ولو عملنا بما مقتضاه الإباحة؛ فقد لا يلزم منه فوات مقصود الحظر؛ لأنَّ الغالب أنه إذا كان حراماً، فلا بُدَّ أنْ تكون المفسدة ظاهرة، وعند ذلك، فالغالب أنَّ المكلّف يكون عالماً بها، وقادراً على دفعها، لعلمه بعدم لزوم المحظور من ترك المباح، ولأن المباح مستفاد من قطعاً،، بخلاف استفادة الحرمة من النهي لتردده بين الحرمة والكراهة، فكان أولى» (4).

التخيير

وهذا أيضاً نظر مقصدي، فكلا المذهبين رجّح باعتبار المقصد الشرعي.

والترجيح بمقتضى التحريم في غير العاديات - من العبادات والعقائد ـ أوْلَى وأصح؛ لأنَّ التحريم فيه أكثر اعتناء للشارع، وأكثر اعتباراً له، وبناء الأصول على التحريم فيها، فيُعلم أنّ قصد الشارع فيها هو تقديم المحرّم والحاظر على المبيح.

أما في العاديات والأشياء؛ فالأولى ترجيح مقتضى الإباحة؛ لأنَّ اعتناء الشارع في إباحتها كان أكثر، والاستقراء دلّ على أنَّ الشرع يقصد التوسعة على المكلّفين في أمور العادات والأشياء، من غير العبادات والعقائد، إذ الأصل أنَّه تعالى خلق الأشياء للانتفاع بها والاستمتاع، كما قال تعالى:

(1) انظر: السالمي: طلعة الشمس، ج 2، ص 242.

انظر: سيف الدين الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط 1983، ج 4، ص 351. (3) انظر: جمال الدين بن الحاجب منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل المكتبة العصرية، بيروت: لبنان، ط 1، 2011 م، ص 249 250، وانظر الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج 4، ص 351.

(4) الآمدي: الإحكام، ج 4، ص 352.