النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦٤٣فقه الغاية ودورها في الشرع الإسلامي
د. خالد بن سعيد بن يوسف تفوشيت
643
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} (البقرة: 129؛ ولأنه أنكر على من يبتغي تحريم الأشياء والعاديات، فقال جل وعلا: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ) [الأعراف: 32]. وغير ذلك من مواضع إظهار أنَّ الكثير المطلق هو إباحة الأشياء والعادات.
لذلك إذا تعارض دليلان في الأبضاع أحدهما يقتضي الإباحة، والآخر يقتضي التحريم، فالترجيح لمقتضى التحريم؛ لأنَّه الموافق لمقصود الشارع في التحوّط لحفظ الأعراض، ومنع كل ما يؤدي إلى انتهاكها؛ ولذلك قال الفقهاء: الأصل في الأبضاع التحريم» (2).
ومن ذلك تعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله رجل: ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال: لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها (3)، مع قوله صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (4). فالحديث الأول يقتضي تحريم ما بين السرة والركبة والحديث الثاني يبيح ما بين السرة والركبة إلّا الوطء، فهنا الأوْلَى تحريم ما بين السرة والركبة، لموافقته الأصل في تحريم الأبضاع، وهو الذي عليه الجمهور من الفقهاء على أصلهم في تقديم الحاظر على المبيح الحالة الثانية: إذا تعارض ما يكون حكم أحدهما أخف من الآخر، فهل يقدم ما يقتضي
التخفيف على ما يقتضي خلافه، أمّ يقدّم الأثقل على الأخف؟
(5)
ذهب العلماء إلى القولين ووجه من قدّم الأخف على الأثقل: إنّ الشريعة مبناها على التخفيف على ما قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وعلى ما قال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ [الحج: 78]، وغير ذلك من نصوص الكتاب والسُّنَّة.
أما وجه من قدّم الأثقل على الأخف فوجهه: أن الأحكام الشرعية إنما يُقصد بها مصالح المكلّفين، والمصلحة في الفعل الأشق أعظم منها في الفعل الأخفّ، ولأنّ الغالب على الظنّ إنما هو
(1) انظر: السالمي: طلعة الشمس، ج 2، ص 177، 300، 307.
(2) عبد الرحمن السيوطي: الأشباه والنظائر، دار الكتب العلمية 1403 هـ، بيروت، لبنان، ج 1، ص 61.
(3) رواه الدارمي، وقال إسناده معضل، انظر: سنن الدارمي كتاب الطهارة، باب مباشرة الحائض، برقم 1032، ج 1، ص 258. ويشهد له ما أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحيض، باب مباشرة الرجل الحائض فوق الإزار، عن ميمونة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر نساءه فوق الإزار، وهنَّ حُيَّض» برقم 294، ج 1، ص 243.
(4) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحيض، باب جواز غسل رأس زوجها وترجيله وطهارة سؤرها والاتكاء في حجرها وقراءة القرآن فيه رقم 302، ج 1، ص 246.
(5) وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم، وذهب الثوري وداود الظاهري إلى أنَّه يجوز له مباشرتها في ما بين السرة والركبة إلّا الوطء. انظر: النووي: شرح النووي لصحيح مسلم، ج 3، ص 195 196. وابن رشد: بداية المجتهد، ج 1،
ص 148 149.
(6) انظر: الآمدي: الإحكام، ج 3، ص 482.