النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٤٤

644

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

تأخر الأثقل عن الأخفّ، نظراً إلى المألوف من أحوال العقلاء، فإنّ من قَصَدَ تحصيل مقصود بفعل من الأفعال ولم يحصل به؛ لا يقصد تحصيله بما هو أخف منه، بل يقصد تحصيله بما هو أعلى منه، وزيادة ثقله تدلّ على تأكّد المقصود منه على مقصود الأخف، وهذا أيضاً ترجيح باعتبار المقاصد. الحالة الثالثة أن يتعارض دليلان يكون أحدهما قد قُصد به بيان الحكم المختلف فيه، والآخر لم يظهر فيه قصد بيان الحكم، فيقدّم الذي قُصد به البيان للحكم، لأنه كما قال الآمدي: «يكون أمس بالمقصود» (2).

ومن ذلك: التعارض بين قوله تعالى: ﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 23]، وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنَكُمْ﴾ [النساء: 3]، فالآية الأولى قُصِدَ بها بيان تحريم الجمع بين الأختين في الوطء، فتقدّم على الثانية حيث لم يُقصد بها بيان الجمع، ولا يخفى أن الترجيح هنا باعتبار المقصد.

الحالة الرابعة في الترجيح بين الأقيسة بالنظر إلى عللها ووجه تعليلها (3):

وهكذا ينبغي لمن طلب الاجتهاد بناءً على اعتبار مقاصد الأحكام وغاياتها، أن يقيس عليها غيرها من المسالك ويستنبط باستقراء مسالك الاجتهاد، وأدوات الاستنباط لدى الفقهاء، ويستصحب المقاصد والنظر المقاصدي على الدوام عند محاولات الاجتهاد النظري الاستنباطي، أو العملي التطبيقي حين تنزيل الأحكام في محالها، وإلّا فلا تُضمن إصابة الاستنباط، ولا سلامة التنزيل في محل الحكم.

تلك

فمن خلال عرض مسالك الاجتهاد والاستدلال المقاصدي الغائي تتجلى أهمية اعتبار مقاصد الأحكام وغاياتها الكلية عند تكييف الوقائع، وإلحاق الحكم الشرعي بها حتى لا يتناقض المقاصد، وذلك بإدراج النوازل والأقضية في كلياتها ومراتبها، والحكم عليه بأنه ضروري، أو

485

مع

(1) انظر: الآمدي: الإحكام، ج 3، ص 482 وانظر السالمي: طلعة الشمس، ج 2، ص 245. (2) انظر: الآمدي: الإحكام، ج 3، ص ة (3) وهذه الوجوه على ما يلي الوجه الأول: أن تكون علّة أحد القياسين مناسبة، وعلة الآخر، شبهية، فما علته مناسبة أولى لزيادة مصلحتها وبعدها عن الخلاف الوجه الثاني: أن يكون المقصود من إحدى العلّتين من المقاصد الضرورية، والمقصود من العلة الأخرى غير ضروري، فما مقصوده من الضرورية أوْلى، لزيادة مصلحته وغلبة الظن به، ولقطعيته وعمومه، الوجه الثالث: أن يكون مقصود إحدى العلتين من الحاجيات ومقصود الأخرى من التحسينيات والتزيينيات، فما مقصوده من باب الحاجيات أولى لتعلّق الحاجة به دون مقابله الوجه الرابع: أن يكون مقصود إحدى العلتين من مكملات المصالح الضرورية، ومقصود الأخرى من أصول الحاجيات، فما مقصوده من مكمّلات الضروريات، وإن كان تابعاً لها ومقابله أصل في نفسه؛ يكون أولى، الوجه الخامس: أن يكون مقصود إحدى العلّتين حفظ أصل الدين، ومقصود الأخرى ما سواه من المقاصد الضرورية، فما كان مقصوده حفظ أصل الدين أوْلَى. انظر في ذلك: الآمدي: الإحكام، ج 3، ص 493 - 494. والسالمي: طلعة الشمس، ج 2، ص 246.