النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٦

66

309

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

البعد عن التكرار التعرض للمسائل في طريقة السرد التي سلكتها غالب كتب الفروع الفقهية تضطر الفقيه إلى تكرار المسائل في عامة الأبواب، أو إلى الإحالة إلى ما تقدم، فمثلاً إن ناقش الفقيه أحكام المزارعة كان مكرّراً لكثير مِمَّا سطّره يراعه في المساقاة، ثُمَّ يعيده ثالثة في المغارسة، مع تماثل كثير من أحكامها، وهي تقارب في الوقت ذاته أحكام المضاربة، فهل يكرر تلك الأحكام، وهو ما يضطر إليه الفقيه أحياناً حتّى يبعد القارئ عن اللبس؟ أو يحيل إلى الأبواب السابقة، وقد يلفه الغموض أحياناً؟ ونظام النظريات يخلص الفقيه من كلا الإشكالين.

النبي في

عن

تطور القياس والنظر المصلحي بصورة واضحة، وذلك لأن من شنف أسماعه «نهى أن يبيع المسلم على بيع أخيه» يجمع في ذهنه لفيفاً من العقود تماثل البيع أحكامها، فهل تظللها الظلال الوارفة لهذا الحكم أو لا؟ وما يمكن أن يخرج منها، فيستحضر المزايدة والمناقصة اللذين لا تتحقق ذاتهما إلا بالمساومة على مساومة الغير، وقد جاء الدليل المجيز لهما، سواء أكان العقد بيعاً أو إجارة أو نحوهما، ويريد أن يجري على العقود جميعاً المفهوم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا»، وبذلك تعم نسمات النظرية على القواعد الأصولية ذاتها، ويسهل تحقيق مناطها، والقياس التي تغمره هذه النسمات لا يقتصر على حمل الصورة على نظيرتها في الصور الفرعية فحسب، بل هو مقدمة للقياس بمفهومه العام الذي يشمل المقاصد والمصالح وأسرار الشريعة، ولذا فهو يطعم علم المقاصد بجرع تطبيقية، ويعين على فهمه أيضاً كما هو واضح في الأمثلة

السابقة.

تعين على معرفة أسباب تعدد الأحكام: وهو أمر تربطه جذور قوية بسابقه، وتكشف كثيراً من الأستار المرخاة على أسرار الأحكام، وبذلك يظهر الرباط الوثيق بينها وبين المقاصد والعلل، والعلاقة الحميمة بينه وبين أسرار التشريع، فقد يقذف الشيطان بسهام الشك على جملة من الناس بأن الشريعة فرقت بين المتماثلين في الحكم وجمعت بين المتناقضين، فلماذا شرطت قبض الرهن وثمن السلم والعوضين في الصرف، ولم تشترط قبض المبيع في عامة صور البيع، وحرّمت بيع ما ليست عندك وأجازت لك السلم وما هو إلا صورة منه، وهو الطنبور الذي رقص على أنغامه كثير مِمَّن يسعى إلى شد قوس الشيطان في رميه، والمتناول للنظرية حينما تواجهه هذه المسائل يدفعه الدافع الفطري والعلمي والشرعي إلى محاولة إدراك الفرق بين الأمرين، ولذلك أثر لا يخفى على مسيرة أسرار الشريعة (1).

(1) ثم محاولات سطرها يراع ابن القيم في كتابه (أعلام) (الموقعين في التفريق بين أمثال هذه الصور.