النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦٦٠660
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الحق أن في المقدمة ما يغري بكل ما قيل عنها متى أرسلنا القول على عواهنه: العقلانية، فلسفة التاريخ علم الاجتماع علم النفس الاجتماعي … وربما علوم أخرى غير ذلك. لكن القراءات المختلفة التي أشرنا إليها وفي الإمكان أن نذكر على سبيل الاستئناس، الكتابات الغزيرة في الميدان للدكتور علي عبد الواحد وافي، وأخصها التمهيد المسهب الذي قدم به لنشرته للمقدمة، كما نذكر كتابات المفكر العروبي ساطع الحصري وهذه تلتهب حماسة لصاحب المقدمة، والأخذ بكل سبيل للتدليل على أسبقية صاحبها لكوكبة هائلة من فلاسفة وعلماء الغرب الأوروبي) لم تسلم، جميعها من الوقوع في إحدى آفات ثلاث: الحماسة العاطفية الذهول عن الأسباب الموضوعية، المقارنات الهجينة.
فأما الآفة الأولى فهي، كما هو معلوم، تعشي البصر وتشوش على الرؤية، فصاحبها يرى في كل النابهين من مفكرينا المسلمين متقدمين على اللاحقين عليهم من المفكرين الذين تأملوا فكتبوا بعد ابن خلدون في السياسة وفي الاجتماع وفي التحليل التاريخي بأربعة قرون أو أكثر. وأما الآفة الثانية فهي آفة «الذهول عن المقاصد (حتى نستعير من صاحب المقدمة إحدى عباراته المأثورة وأكبر مآخذه على المؤرخين، ونقصد بها الانصراف عن الأسباب الموضوعية التاريخية، والمعرفية، والاجتماعية التي جعلت ظهور علوم جديدة، بعد وفاة ابن خلدون بقرون كثيرة، أمراً ممكناً. ذلك أنه لم يكن من الممكن لعلم الاجتماع أن يستقل بموضوعه ومنهجه عن العلوم الأخرى ولا أن يصير إلى صياغة قوانين يتميز بها من دون أن تمهد لظهوره ونشأته علوم وتقنيات كثيرة (الاقتصاد السياسي، الإحصاء، الديموغرافيا الجغرافية البشرية علم النفس في مجالات منه .... علوم وتقنيات سارت في خط متصاعد من التطور من القرن السادس إلى حين اكتمالها في القرن التاسع عشر ليكون ميلاد علم الاجتماع ميلاداً ممكناً. وأما الآفة الثالثة فهي الوقوع في شرك المقارنات الرخيصة، تلك التي تفتقر إلى السند من جهات المنطق والتاريخ والمعرفة، وكم في الفكر العربي المعاصر من دراسات لها صفة الافتقار على نحو ما ذكرنا أبحاث مضنية، لا غناء فيها ولا طائل من ورائها تجمع في صعيد واحد بين الغزالي وديكارت ما دام وجود الشك يوحد بينهما ـ والحال أن بوناً يقوم بين الشك الذي تحدث عنه أبو حامد في صورة الأزمة التي يصورها في (المنقذ من الضلال) وبين الشك وقد اختاره الفيلسوف الفرنسي منهجاً لبلوغ اليقين، فمضى عليه في (المقال في المنهج على نحو، وفي تأملات ميتافيزيقية) على نحو مغاير. وأبحاث أخرى تشقى في المقارنة بين ابن عربي في معاناته الصوفية وبين الفيلسوف الألماني الذي ينشئ مذهباً في «المونادولوجيا». وأبحاث غير ذلك تقارن بين خطاب هيوم في السببية وحديث صاحب (تهافت الفلاسفة عن العادة وطبيعة الاقتران بين العلة والمعلول. والحق أن هذه الآفة الأخيرة ثمرة تفاعل طبيعي بين معطيين اثنين المعطى الأول ذو طبيعة سيكولوجية، فهو رد فعل على محاولات تحقيرية
شاسعاً
الفلسفة
هو