النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٦١

الفقه والتاريخ: قراءة في النظرية الخلدونية

د. سعيد بنسعيد العلوي

661

استعلائية استهدفت الفكر الإسلامي فسعت لدواع استعمارية إلى التقليل من خطره، وكانت تعمل بموجب المنطق الذاتي الذي يحكم النزعة المركزية الأوروبية - وإذاً فإن ما سعى إليه مثقفونا وباحثونا العرب المعاصرون إنما هو شكل من أشكال الدفاع عن الهوية المغتصبة، فهو عمل مشروع من الناحية الإيديولوجية ومبرر من الجانب السيكولوجي، بيد أنه لا يستقيم من جهتي التاريخ والمعرفة كما ذكرنا. والمعطى الثاني معرفي منهجي معاً فهو يسترسل في مقارنات تغري بها أوجه تشابه واتفاق، ويحمل عليها غياب التكوين الأكاديمي الضروري للتصدي لعمل المقارنة الممكنة والمقبولة من حيث المنهجية العلمية الرصينة، وهو ما كان الباحثون العرب يشتكون من ضعف فيه في العقود الأولى من القرن العشرين خاصة.

القراءة المغايرة التي نتطلع في محاولتنا هذه إلى رسم المعالم الكبرى التي تدل عليها، أو تمهد لها على كل تدعي اجتناب الوقوع في محاذير الآفات الثلاث كما تمت الإشارة إليها. والظن منا أن هذا الأمر يبدو اليوم ممكناً لأسباب موضوعية أخصها امتلاكنا البعد الزمني الكافي الذي يفصلنا عن محاولات الدارسين الرواد العرب، وعدم خضوعنا للدوافع السيكولوجية التي كانت تأخذ بربقتهم. لنقل إننا نمتلك اليوم من الحس النقدي ما كان غير متاح لسابقينا ممن أشرنا إليهم من الدارسين العرب خاصة. لنقل أيضاً إن قراءتنا المغايرة هذه تسعى إلى التذكير بحقيقة أولية تتصل بابن خلدون وبتكوينه الفكري وكذا بعصره.

عبد الرحمن بن خلدون هو، أولاً وأساساً فقيه أصولي مشبع بالثقافة الأصولية، وممارس لها على وجهها الكامل الذي تبيّن عنه المقدمة في فصولها وأبوابها، أو في الغالب الأعم منها على كل حال. وهو، في الوقت ذاته، متكلم أشعري ينتصر لمذهب الأشاعرة، ويسعى إلى الإبانة عن صحته في مجال التأريخ وفي مجال القول في السياسة.

ومقدمة ابن خلدون تتصل بالفكر السياسي في الإسلام بأكثر من صلة ووجه. وصاحب المقدمة رجل من أهل القرن الميلادي الرابع عشر كان من وضوح البصيرة وصفاء السريرة، بحيث إنه كتب في معرض حديثه عن العلوم العقلية في عصره بلغنا لهذا العهد أن هذه العلوم الفلسفية ببلاد الإفرنجة من أرض رومة وما إليها من العدوة الشمالية نافقة الأسواق، وأن رسومها هناك متجددة، ومجالس تعليمها متعددة، ودواوينها جامعة متوفرة، وطلبتها متكثرة، والله أعلم بما هنالك وهو يخلق ما يشاء ويختار. لقد كان مفكرنا الفذ مدركاً بحسه التاريخي أن حركة التغيير الفعلي قد بدأت العزف من أوروبا وان العلوم ستخضع في تطورها للسير الذي كان صاحب

المقدمة يقدر قوته ومداه.

(1) عبد الرحمن بن خلدون: المقدمة نشره: د. علي عبد الواحد وافي، منشورات مكتبة الأسرة، الطبعة الثانية، ج 3، ص 1011.