النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٦٢

662

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

محاولة القراءة المغايرة تتوخّى الكشف عن الحضور القوي والحسم للفقه وللمنهجية الأصولية على النحو الذي يطيقه ابن خلدون، ويقدر فيه على الإضافة والابتكار حضور قوي للمنهجية الأصولية في المقدمة يحدّد العلاقات بين الفقه وبين التاريخ في دقة وألمعية، يجعلان للمفكر الفذ المكانة التي نرى أنها له حقاً من دون أن ينال ذلك من عبقريته، بل إنه، على العكس من ذلك، يجليها على النحو الذي يكسب ابن خلدون الأصالة التي هي له بالفعل، ويلقي على فهمنا لنظريته أضواء جديدة كاشفة.

1 - حقائق أولية المرجعية الإسلامية في النظرية الخلدونية

يجب

في المقدمة أمور عديدة تغري بالحديث عن العقلانية وتمجيد العقل، وبالتالي تقرب ابن خلدون من الفلاسفة عند الجمهرة الكبيرة من الدارسين إن لم نقل إنها تحصره في دائرتهم. يمكن القول بالتالي: إن الصورة النمطية التي ارتسمت في الأذهان لابن خلدون قد غيبت صورة الفقيه، وبالتالي فإن المرجعية الدينية الصرفة تضعف وتتلاشي بل وربما اختفت بالجملة، والحال أنها المرجع الأساس. ذلك ما تبين عند القراءة المتأنية للمقدمة، وتلك حقيقة أولية التذكير بها، وهذا ما نسعى إلى التنبيه عليه في هذا القسم الأول من خلال وقفات وتنبيهات ضرورية. 1 - يكتب ابن خلدون في الفصل الرابع من الباب الثاني من المقدمة (فصل: في أن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر): وسببه أن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيئة لقبول ما يرد عليها وينطبع فيها من خير أو شر. قال صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». وبقدر ما سبق إليها من أحد الخلقين تبعد عن الآخر ويصعب عليها اكتسابه»). فالحديث النبوي هو المعتمد في تبرير أحد القوانين الكبرى التي تفسر دورة الدولة من البداوة إلى الحضارة. ونقرأ في الباب ذاته في الفصل 15 (فصل: في أن نهاية الحسب في العقب الواحد أربعة آباء): واعتبار الأربعة من قبل الأجيال الأربعة: بان، ومباشر، ومقلد، وهادم ( … )، وقد اعتبرت الأربعة في نهاية الحسب في باب المدح والثناء. قال صلى الله عليه وسلم: إنما الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم»،

الله

إشارة إلى أنه بلغ الغاية من المجد»). للدولة أعمار طبيعية مثلما أن للبشر أعماراً طبيعياً، هذا قانون مطرد في الكون وسنة وما زاد في عمر الدولة عن الأجيال الأربعة فامتياز، وما يعنينا في أن المقيس عليه في السؤدد وعلو الحسب هو كلام المصطفى في قوله: «إن نبي الله يوسف» قد أفرد بميزة اتصال النبوة في البيت الذي ينتمي إليه أربعة آباء وأجداد.

هذا كله هو

(1) عبد الرحمن بن خلدون، ج 2، ص 473.

(2) المصدر السابق، ص 492.