النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٦٣

663

|

الفقه والتاريخ: قراءة في النظرية الخلدونية

د. سعيد بنسعيد العلوي

2

العصبية هي العامل المحرك للتاريخ عند ابن خلدون، كما هو معلوم، والفصول العديدة التي يخصصها صاحب المقدمة واضحة فلا تحتاج إلى مزيد بيان والعصبية، في نهاية الأمر، عنوان النظرية الخلدونية والدال عليها. بيد أن أمراً هاماً يسترعي الانتباه ويستوجب الوقوف عنده: إن العصبية، مهما يكن من قوتها الذاتية ومن محوريتها في حركة التاريخ وفي نشوء الدول واندثارها، ومهما تكن الحاجة إليها في الأمور الدنيوية وفي تأسيس الدعوة الدينية سواء بسواء، فإنها تكون خلواً من الفعل والتأثير في غياب المدد الإلهي. الملك إنما يحصل بالتغلب، والتغلب إنما يكون بالعصبية واتفاق الأهواء على المطالبة، وجمع القلوب وتأليفها إنما يكون بمعونة من الله في إقامة

دينه. قال تعالى: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلفَتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: 63]).

3 - العصبية: شأنها في ذلك شأن الأطوار الطبيعية التي تمر بها الدول وشأن الانتقال من البداوة إلى الحضارة وتسرّب الفساد إلى الممالك، وشأن كل القوانين العامة التي تحكم التاريخ البشري، بالتالي لا تعمل بذاتها بموجب تلك القوانين وحدها، بل لا بد من المعونة الربانية، كما رأينا في النص الذي أوردناه أعلاه، ولا بد من حصول اللطف الإلهي. يقول ابن خلدون: فالعصور تختلف باختلاف ما يحدث فيها من الأمور والقبائل والعصبيات، وتختلف باختلاف المصالح، ولكل واحد منها حكم يخصه لطفاً

4

من

الله بعباده» (2).

قضية اللطف الإلهي: في مقابل الحتمية في اللغة الفلسفية، وفي مقابل قضية الوجوب عند المعتزلة، تسلمنا إلى مسألة الأشعرية وحضورها القوي الذي يحسم الأمر حين التردد، وتكون له الكلمة الأخيرة والقول الفصل في المبادئ والكليات، أي في العماد النظري للفكر الخلدوني برمته. أشعرية ابن خلدون قوية واضحة لا تحتاج إلى كبير اجتهاد لتبينها، فهي ما يغلّف النظرية الخلدونية برمتها، وما يؤكد المرجعية الإسلامية في الخطاب الخلدوني. ومثلما هو الشأن عند زعيم الأشعرية الأكبر أبو حامد الغزالي في حديثه عن العادة واعتمادها بديلاً عن السببية، فنحن نصادف المنطق ذاته عند صاحب المقدمة نقرأ في الفصل الشهير الذي يخصصه ابن خلدون لعلم الكلام: إن الحوادث في عالم الكائنات، سواء كانت من الذوات أو من الأفعال البشرية أو الحيوانية، فلا بد لها من أسباب متقدمة عليها بها تقع في مستقر العادة وعنها يتم كونها. وكل واحد من هذه الأسباب حادث أيضاً فلا بد له من أسباب أخر، ولا تزال تلك الأسباب مرتقية حتى تنتهي إلى مسبب الأسباب وموجدها وخالقها سبحانه لا إله إلا هو. وتلك الأسباب في ارتقائها تتفسح وتتضاعف طويلاً وعرضاً ويحار العقل في إدراكها» (3).

(1) عبد الرحمن بن خلدون، ص 519

(2) المصدر السابق، ص 594. (3) المصدر السابق، ج 3، ص 966.