النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٦٤

664

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

تتصل الموجودات في الكون وترتبط ببعضها ارتباطاً يجعل البعض منها يكون سبباً لبعض الآخر، ويجعل بعضها الآخر، في المقابل، مسبباً (فتح الباء الأولى وتشديدها). ومتى أمعن الناظر الفكر وجعل العقل يرتقي في سلم المدارك فإنه ينتهي، وجوباً، إلى أصل يكون أولاً بالضرورة: ذلك هو «مسبب الأسباب وموجدها وخالقها»، فالله يسبب الأسباب ويخلقها من عدم بعد أن لم تكن. وفي كل مستويات الفعل، وفي كل مرتبة يقدر العقل فيها أن يكون شيئاً يكون مسبباً (= نتيجة) وأن آخر يكون سبباً (= علة)، فإن حقيقة الأمر أن الفاعل على الحقيقة هو الله، فهو علة ما في الكون من موجودات، أو هو سبب الأسباب ذلك ما يقوله صاحب المقدمة بكيفيات مختلفة وتأتي كل المفاهيم الفاعلة في العمران البشري من أجل دعمه وتوضيحه.

القول بأن الله قد أجرى الأمور على مستقر العادة قول يعني من جهة أولى، أن العادة هي من التكرار والاطراد بحيث إنها تصبح مستقرة، أو قل إنها تصبح أمراً نألفه ونتعود عليه. قولنا: إنه عادة، قول يعني، في نهاية الأمر، أنه لا يثير دهشة ولا استغراباً. بيد أن هذا القول يعني، من جهة أخرى، أن مستقر العادة لا يدق عن الفهم، بل إنه يقبل أن يكون معروفا بمعنى أنه ينتظم على نحو يكون معه قابلاً للمعرفة. ولو أنا أردنا أن نجد لهذه «القابلية للمعرفة تعبيراً آخر لقلنا: إنها السنن التي أجراها الله في الكون». متى أدركنا الأمور على هذا النحو فنحن نملك أن نقع على طبائع الأشياء» (كما يتحدث عنها ابن خلدون من دون أن يكون في ذلك اجتراء على المشيئة الإلهية، أو نيل من إرادة الله التي تتصف بإطلاق كما يحدها الفكر الأشعري.

تتضح المرجعية الإسلامية في النظرية الخلدونية بالقدر الذي تتوضح فيه الفكرة الأشعرية التي تدعمها وتهبها تماسكها المنطقي الذاتي.

2 - الفقه والمنهجية الأصولية في التأريخ

يستدعي الحديث عن حضور الفقه في المقدمة، وكذا ممارسة ابن خلدون للمنهجية الأصولية في التأريخ حقيقة أولية أخرى، من جنس تلك التي ذكرنا في القسم السابق: عبد الرحمن بن خلدون فقيه يقرأ التاريخ الإنساني، وعالم أصولي يسخر زاده الأصولي من أجل استقراء المبادئ والموجهات التي تحكم سير التاريخ، وتسعى إلى إكسابه المعقولية والمعنى. الكشف عن هذه الحقيقة الأولية وتبيين الآلية التي يعمل بها أصول الفقه في المنظومة الخلدونية هو ما يسعى هذا القسم الثاني من الورقة إلى الإبانة عنه.

يقول أبو اسحق الشاطبي في (الموافقات): تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق.