النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٦٥

الفقه والتاريخ: قراءة في النظرية الخلدونية

د. سعيد بنسعيد العلوي

665

وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون ضرورية، والثاني: أن تكون حاجية، والثالث: أن تكون تحسينية). ويقول الشيخ عبد الوهاب خلاف في حديثه عن القواعد الأصولية التشريعية وترتيبها: «ولا يراعى تحسيني إذا كان في مراعاته إخلال بحاجي، ولا يراعى حاجي ولا تحسيني إذا كان في مراعاة أحدهما إخلال بضروري». ومن قول المعلم وتبيين الشيخ نفيد أن مقاصد الشريعة تخضع، وجوباً، لترتيب لا يقبل الإخلال به ونقرأ في المقدمة في أول الكلام في الباب الأول: «في أن الاجتماع الإنساني ضروري، ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم: الإنسان مدني بالطبع، أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنية في اصطلاحهم، وهو معنى العمران». ونقرأ في تعليله للترتيب الذي سلكه في الكتاب الأول: في طبيعة العمران في الخليقة): «وأما تقديم المعاش، فلأن المعاش ضروري طبيعي وتعلم العلم كمالي أو حاجي). ونقرأ في شرحه لطبيعة العمران البدوي ولماذا كان سابقاً على الحضري: ولا شك أن الضروري أقدم من الحاجي والكمالي وسابق عليه؛ لأن الضروري أصل والكمالي فرع ناشئ منه. فالبدو أصل للمدن والحضر وسابق عليهما؛ لأنَّ أول مطالب الإنسان الضروري، ولا ينتهي إلى الكمال والترف إلا إذا كان الضروري حاصلاً). وفي الإمكان تعديد الأمثلة وتنويعها، فهي تصدق في حق الحديث عن الأجيال التي تمر بها الدول ومناسبة النمط من الأنماط الثلاثة المذكورة، وفي الإمكان استيفاء القول في حديث ابن خلدون عن الصلة بين تسرب الفساد إلى الدولة، وبين الإسراف في الاعتناء بالمالي والتحسيني، فالغاية التي نروم الوصول إليها وهي التدليل على أن صاحب المقدمة قد أشرب المنطق الأصولي وتشبع بمقدماته مثلما تشبع بلغته ومصطلحه. يعيب ابن خلدون على المؤرخين وقوعهم في أخطاء شنيعة يعدد البعض منها، ويتساءل، ضمنياً، عن الأسباب التي توقع في مثل تلك الأخطاء فيكتب: (إن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة ( … ) ولا قيس الغائب منها بالشاهد ( … ) وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثاً أو سميناً، لم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة». نحن هنا أمام الآلية الأصولية في أبهى صورها أمام آلية القياس، تلك التي تنقلنا إلى جوف التعليل واستخلاص الأحكام الواجب الأخذ بها قياس الغائب على الشاهد، قياس الأشباه والنظائر، قياس الفروع على الأصول لجامع بينهما هو العلة، كما يقول علماء الأصول. لا، بل نحن أمام تفصيل في الآلية، أو قل: أمام خطوة

(1) أبو إسحاق الشاطبي: الموافقات، دار المعرفة، د. ت، بيروت، ج 2، ص 8. (2) عبد الوهاب خلاف علم أصول الفقه، دار الحديث 2003، القاهرة، ص 3

(3) المقدمة، ج 1، ص 340. (4) المصدر السابق، ص 337. (5) المقدمة، ج 2، ص 472. (6) المقدمة، ج 1، ص 291.

183