النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦٦٦666
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
منهجية ملازمة للقياس الأصولي. نحن أمام التقسيم والسبر: تقسيم المسألة إلى ما يقتضيه الحال من الأجزاء، ثم سبر كل جزء على حدة بعد ذلك. السبر بمعيار الحكمة، كما يقول، إعمال للعقل الفقهي في مجال الحكمي وطلب للحكمة والعظة من التاريخ البشري.
مثال آخر وأخير نسوقه دليلاً على حضور الآلية الأصولية في النظر الخلدوني في التاريخ البشري، وفي تشبعه بتلك الآلية وبأداتها اصطلاحية حديث ابن خلدون عن شرط القرشية، في معرض القول في الإمامة: «فإذا ثبت أن اشتراط القرشية إنما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبية والغلبة وعلمنا أن الشارع لا يخص الأحكام بجيل ولا عصر ولا أمة، علمنا أن ذلك هو من الكفاية فرددناه إليها وطردنا العلة المشتملة على المقصود). هل نحن في حاجة إلى القول بأن المتحدث فقيه أصولي منهمك في ممارسته الأصولية؟ أليس ذكر العلة، من جانب، والقول بتطريدها (= جعلها تكون مطردة) من جانب آخر هو من صميم التعليل والترجيح، وبالتالي ألسنا في جوف أصول الفقه مع ابن خلدون الناظر في أحوال العمران وطبائع الملك والحضارة وأطوارها؟
3
- الفقه والتاريخ: علم العمران عند صاحب المقدمة وعي تام، بل وعي حاد بأنه ينشئ علماً جديداً. جديد في موضوعه، فهو لم يسبق إليه وجديد في المنهج الذي يقتضيه هذا العلم الجديد ذلك ما نفيده من قراءة النص التالي: «وكأن هذا علم مستقل بنفسه: فإنه ذو موضوع، وهو العمران البشري والاجتماع الإنساني، وذو مسائل وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد أخرى ( … ) واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة، غريب النزعة، غزير الفائدة، أعثر عليه البحث وأدى إليه الغوص. ليس من علم الخطابة ( … ) ولا هو أيضاً من علم السياسة المدنية ( … ) حوم القاضي أبو بكر الطرطوشي في كتاب (سراج الملوك وبوبه على أبواب تقرب من أبواب كتابنا هذا ومسائله، لكنه لم يصادف فيه الرمية ولا أصاب الشاكلة ونحن ألهمنا الله إلى ذلك إلهاماً، وأعثرنا على علم جعلنا سن بكره وجهينة خبره» (2).
لا ننظر في هذا العلم الجديد من حيث طبيعته ومقتضياته، فقد أشبع الدارسون القول في العمران عند ابن خلدون ولكننا ننظر فيه من حيث بناؤه، أي من حيث سنده الإبيستيمي أو المعرفي. لنسائل ابن خلدون بلغته، أي بالمنطق الذي يأخذ به في تصنيف العلوم، أو في إحصاء كما يقول الفارابي وفلاسفة الإسلام إذا كان العلم علمين عقلي ونقلي؛ فإلى أي منهما
العلوم ينتمي علم العمران؟
(1) المقدمة، ج 2، ص 570.
(2) المقدمة، ج 1، ص 332 - 335