النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦٦٧الفقه والتاريخ: قراءة في النظرية الخلدونية
د. سعيد بنسعيد العلوي
667
لنتذكر أن التاريخ في اللغة الخلدونية، هو «خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران، وإذا فإن التساؤل عن الطبيعة العقلية أو النقلية للتاريخ فإن السؤال يصدق على علم العمران كذلك؛ فما الجواب الذي يقدمه صاحب المقدمة؟
الجواب: هو أن التاريخ ينتمي إلى العلمين معاً: العقلي والنقلي هو من العلوم العقلية، بل إن ابن خلدون يصرح بهذه النسبة منذ الفقرة الأولى من الكتاب بعد الحمدلة والتصلية مباشرة فيقول: «أما بعد؛ فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال ( … ) في ظاهره، لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأول ( … )، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل ( … )، ولذلك فهو أصيل في الحكمة، عريق وجدير بأن يعد في علمها)، والعلوم الحكمية، في اللغة الخلدونية، هي عين العلوم العقلية والتاريخ ينتسب إلى العلوم النقلية من جهتين: من حيث اعتماده الخبر سبيلاً إلى المعرفة، ومن حيث طبيعة المعرفة الحاصلة وهي معرفة ظنية، وكلا الجهتين تقتضي منا وقفة قصيرة نعرج فيها على جملة تنبيهات ضرورية.
التاريخ: كما وقفنا عند ابن خلدون أعلاه، خبر عن الاجتماع الإنساني. والخبر يقتضي الصدق والكذب، بل إن الكذب يتسرّب إلى الخبر ليغدو الأكثر احتمالاً وليقتضي التصديق التدقيق والتمحيص. التدقيق في الرواية والرواة، والتمحيص في عدالة الرواة بغية التأكد من سلامة الخبر وصدق الراوي في ما يقول. وعلماء الحديث قد ابتدعوا، كما هو معلوم، مجموعة من التقنيات بها يكون اختبار كذب الراوي، عمداً أو خطأ بسـ غفلة أو نسيان أو بسبب عدم تدقيق في ما ينقل إليه، ويكون فيه مصدقاً موافقاً من دون كبير نقد وفحص. مجموع هذه التقنيات هي «التجريح والتعديل»، في عدالة الراوي الذي هو في عبارة أخرى: «مخبر». ومن رواة الحديث النبوي ومن تقنيات علماء الحديث يستمد ابن خلدون من دون أن يكون في ذلك مصرحاً، وتلك سمة اتصف بها كل علماء الملة، فهي بعض من التكوين الشرعي وجزء من الثقافة الإسلامية، ومكون من مكونات «الشخصية القاعدية» كما يقول علماء النفس الاجتماعي وأهل الأثنولوجيا. يقول ابن خلدون في حديثه عن الكيفيات التي يكون بها التحري في الرواية التاريخية (= الخبر): (وتصحيحه إنما هو بمعرفة طبائع العمران وهو أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الأخبار وتمييز صدقها من كذبها، وهو سابق على التمحيص بتعديل الرواة، ولا يرجع إلى تعديل الرواة حتى يعلم أن ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع، وأما إذا كان مستحيلاً فلا فائدة في التعديل والتجريح». إن المقيس عليه هو، كما ذكرنا وابن خلدون يكون في هذا الصدد مصرحاً لا مضمناً للقول الخبر الشرعي، أي الحديث المنقول عن النبي علي، وإنما كان التعديل والتجريح هو المعتبر في صحة الأخبار الشرعية؛ لأنَّ معظمها
(1) المصدر السابق، ص 282