النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٦٨

668

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

تكاليف إنشائية أوجب الشارع العمل بها. ينتسب التاريخ إلى العلوم الشرعية (= النقلية) من هذه الجهة، كما رأينا جهة اعتماد الخبر وما يقتضيه من ممارسة تقنيات التعديل والتجريح.

وينتسب التاريخ إلى العلوم الشرعية أو النقلية، فالمعنى واحد من حيث طبيعة المعرفة التي تحصل من خبر المخبرين أو رواية الرواة وطبيعة المعرفة هذه هي «غلبة الظن». نرجع إلى النص الأخير الذي كنا نستشهد به قبل قليل فنقرأ مسترسلين: «المعتبر في صحة الأخبار الشرعية؛ لأنَّ معظمها تكاليف إنشائية أوجب الشارع العمل بها متى حصل الظن بصدقها، وسبيل صحة الظن الثقة بالرواة بالعدالة والضبط). ينبغي أن نتذكر أيضاً بأن غلبة الظن أو «صحة الظن هي الطبيعة التي تلازم المعرفة الفقهية؛ فالفقيه في التعليل وفي المرحلة التي يتعين عليه فيها أن يرجح رأياً على رأي أو نظراً على نظر آخر، يحكم بغالب الظن ذلك لأن عمل الفقيه هو دوماً عمل استقرائي والاستقراء، أياً كان الجهد المبذول، يظل دوماً استقراء ناقصاً. لا تكون المعرفة الفقهية قطعية إلا في الكليات فحسب، أما في القضايا الاجتهادية فهي لا تملك البتة أن

ترقى إلى مرتبة اليقين.

ما

لنا، تقدم يسمح في ما نحسب، باستخلاص أربع نتائج ترسم في نهاية المطاف مجال الالتقاء بين الفقه والتاريخ، ويجعل الربط بينهما في قراءة للنظرية الخلدونية تتوخى الدقة والمعقولية. الملاحظة الأولى: هي وجود المماثلة بين المعرفة الشرعية أو النقلية) وبين المعرفة التاريخية فأساس كلتا المعرفتين هو الخبر، والخبر يحتمل الصدق والكذب، ونظر العقل يكون في التمييز بين الإمكان والتعذر أما الاستحالة متى قررها العقل فإنها تصرف عن النظر. ونظر العقل في الخبر يكون من حيث الإمكان والتعذر أما الاستحالة فهي تصرف عن النظر جملة. وكلتا المعرفتان تقتضيان بعد التمحيص في الخبر النظـ المتفحص في الرواة من جهتي التعديل والتجريح. ومن هذه الجهة فإن التاريخ ينتسب إلى العلوم النقلية فيتصل بالفقه بأكثر من صلة وسبب على نحو ما حاولنا الإبانة عن ذلك.

الملاحظة الثانية: هي أن ابن خلدون في وعيه الحاد بأنه ينشئ علماً جديداً كان يجول بنظره في مجالين: مجال المعقول، ومجال المنقول؛ وفي كلا المجالين كان يعمل الأداة التي يحكم بمناسبتها لما هو بصدده من قول أو تحليل أو تبرير فهو في مجال المنقول أي في جانب التاريخ الذي يتصل بالنقل يقيس على ما تم في علوم الحديث من جهة وفي علم الفقه من جهة أخرى. وهو في الجانب الآخر الذي يكون التاريخ فيه متصلاً بمجال المعقول يعمد إلى إعمال العقل والنظر، ومن ثم الكلام في طبائع الأشياء (طبيعة الملك طبيعة الاجتماع البدوي، طبيعة العصبية … ). غير

(1) المصدر السابق، ص 332