النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٦٩

669

|

الفقه والتاريخ: قراءة في النظرية الخلدونية

د. سعيد بنسعيد العلوي

أن الكلمة الأخيرة تكون للنقل وترجع إلى التذكير بما هو كائن أو ممكن، ولكنه يدق عن النظر المجرد ويقتضي إحضار الإيمان الديني.

الملاحظة الثالثة: هي أن ابن خلدون، في قوله في علم العمران مع استحضاره لمجلي المنقول والمعقول، كأن يقدّم النقل على العقل في الأحوال كلها كما هو جدير بملتزم بمقررات المذهب الأشعري في الاعتقاد أن يفعل. غير أنه فتح أمام نظر الفقيه باباً جديداً كان يجهله كلية وهذا من جهة أولى، كما أنه، من جهة ثانية، أسلم الفقيه إلى ممارسة لم يكن يعرفها كذلك، ممارسة ليس يطيقها كل أحد من الفقهاء بل الحق أن نقول: إنها تدق عن نظر الفقيه الخلو من العلوم العقلية، والمطلع على أحوال الأمم المتقدمة، كما كان يقول فقهاء الفكر السياسي في الإسلام.

الملاحظة الرابعة الأخيرة تتصل باقتداء ابن خلدون بما فعله أبو الحسن الماوردي إذ قاس عقد الإمامة على عقد النكاح لانعدام سابقة يحق اعتبارها، ولكون عقد الإمامة يشترك من الناحية الصورية مع عقد النكاح. ووجه المشابهة في موضوعنا هو اعتبار علمي الحديث والفقه والحديث خاصة) مقيساً يجوز للناظر في أحوال الدول والأمم أن يقيس عليه في التشريع وفي صياغة أحكام العمران في الجهة التي تتصل فيها بعلوم النقل.

4 - الأصالة الخلدونية:

يبيح

ما يمكنه

لا ريب أن أصالة ابن خلدون التي لا يماهى فيها أحد تكمن في إنشاء علم جديد هو علم العمران الحق أنه لا مغالاة عند صاحب المقدمة في الحديث عن انتهاج طريق في النظر لم يسبق إليه. لقد كان للمؤرخ العربي الفذ من الاطلاع على العلوم التي كانت موجودة في عصره من القول في واقع المعرفة في عصره، وفي فصول عديدة من المقدمة ما يؤكد هذا الرأي ويدعمه، وفي الفصول المختلفة التي يفرد كل فصل منها للحديث عن علم من العلوم وصنعة من الصنائع لنا القول: إن المقدمة سجل إحصائي للعلوم في عصر ابن خلدون. إنه نوع من إحصاء العلوم كما كان ذلك الإحصاء متداولاً في عصر صاحب المقدمة، بل وفي عقود عديدة من بعده. لم يكن الرجل مغالياً في القول: إنه أمام علم جديد يتحدث عنه بوعيه الديني وضميره الإسلامي ونحن قد أعثرنا الله على علم جعلنا سن بكره وجهينة خبره»، فقد جاء بالخبر اليقين. له الحق إذا أن يضيف إلى ما قاله عن العلم الجديد معلقاً: «فإن كنت قد استوفيت مسائله وميزت عن سائر الصنائع أنظاره وأنحاءه فتوفيق من الله وهداية، وإن فاتني شيء في إحصائه واشتبهت بغيره مسائله فللناظر المحقق إصلاحه، ولي الفضل؛ لأني نهجت له السبيل وأوضحت له الطريق، والله بنوره من يشاء». الحق أن عمل ابن خلدون قد جاوز بكثير عمل توضيح، فعمله تأسيس وإنشاء ولا مغالاة في هذا التقرير وأقوال الدارسين لا تخرج من هذه الجهة، عن جادة الصواب. بيد

يهدي

أن