النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٧٠

670

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

علم العمران، كما يشرع ابن خلدون أركانه ويرسم حدوده، ليس من فلسفة التاريخ، كما نعهده عند الفلاسفة، في شيء وليس من علم الاجتماع على النحو الذي يتقرر فيه موضوعه وقضاياه منذ القرن التاسع عشر (ولا حاجة لنا إلى تكرار ما قلته في التمهيد لهذه الورقة وكل هذا لا ينقص من الأصالة الخلدونية في شيء، بل إن العكس هو الصحيح. نقترح في هذا الصدد (على نحو ما صنعنا في القسم المتقدم) أن نجعل مدار القول في الأصالة الخلدونية، كما نقدر أنها كذلك، في تنبيهين اثنين أساسيين، ربما صح استخلاص جملة تنبيهات أخرى منهما مما لا نتوسع فيه .. المسألة الأولى: منهجية تتعلّق بما يصح القول فيه: إنه إضافة غير قليلة في الممارسة النظرية الأصولية عامة وفي النظـ الأصولي خاصة. القصد به عندنا توضيح العلاقة الواجب التحري عنها والتي تقوم في الصلة بين العلوم العقلية والعلوم النقلية.

لنقرأ النص التالي: اعلم أن العلوم التي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار تحصيلاً وتعليماً هي على صنفين: صنف طبيعي للإنسان يهتدي إليه بفكره وصنف نقلي يأخذه عمن وضعه. والأول: هي العلوم الحكمية الفلسفية، وهي التي يمكن أن يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها ( … ) والثاني: هي العلوم النقلية الوضعية، وهي كلها مستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي، ولا مجال فيها للعقل إلا في إلحاق فروعها بالأصول ( … ) فتحتاج إلى الإلحاق بوجه قياسي، إلا أن هذا القياس يتفرّع عن الخبر بثبوت الحكم في الأصل، وهو نقلي، فرجع هذا القياس إلى النقل لتفرعه عنه).

نعلم أن أبا حامد الغزالي قد فصل في قضية التمييز بين مجالي المعقول والمنقول؛ فقرر ذلك العديد من كتبه وفي (المستصفى) خاصة، حيث يتجلّى الفرق واضحاً بين ما يطيقه العقل وما لا يطيقه، بين ما يكون له أن يبدي فيه رأياً ويصدر حكماً وبين ما لا يحق له ذلك وليس يطيقه. غير أننا في النص أعلاه أمام جديد من جهتين، الجهة الأولى تتصل بالمعرفة إجمالاً كما يقررها القول الأصولي الأشعري والجهة الثانية تتصل بالتاريخ تخصيصاً. مجال العقل في عالم النقل، ما يحق للعقل عمله، هو إلحاق فروع المباحث بأصولها أي بالعلم الذي تنتمي إليه، فهذه قضية منهجية معرفية إجمالاً. وأما ما كان ملامساً للتاريخ، كما قلنا، فهو القول في الخبر وفي طرق تمحيصه، وهذه الطرق تتفرع في اتجاهين أحدهما يتصل بالرواة الذين ينقلون الأخبار (قضية العدالة، واقتضاء التعديل والتجريح، والثاني منهما يرجع إلى طبائع العمران، وهذه تقتضي الرجوع إلى تجارب الأمم وإخضاع القول إلى محكمة العقل وسبرها بميزان يكون التمييز فيه، على قول ابن خلدون، بين الممكن والمتعذر والمستحيل.

(1) المقدمة، ج 3، ص 931.