النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦٧١الفقه والتاريخ: قراءة في النظرية الخلدونية
د. سعيد بنسعيد العلوي
671
في هذا المجال، مجال التاريخ ومجال المنهجية الأصولية معاً، يصح القول: إن ابن خلدون قد جعل الفكر الأشعري يخطو خطوات جديدة يتجاوز بها ما قام به الغزالي نفسه.
المسألة الثانية: عندنا هي قدرة ابن خلدون على الدفع بما أتى به مفكر أشعري آخر أمكنه أن يبدع في مجال الفكر السياسي، وهو أبو الحسن الماوردي. يذكر صاحب المقدمة كتاب (الأحكام السلطانية) للفقيه الشافعي الماوردي، ويعول عليه التعويل كله في الفصل الشهير الذي يفرده للقول في الإمامة، وابن خلدون لا يضيف في واقع الأمر شيئاً يذكر إلى ما أتى به مؤلف الأحكام السلطانية. والغزالي يصرح بأن الماوردي قد أوفى بالقصد في الحديث عن النظم وأنواع الولايات، وكذا في الخطط، وكل ما يتصل بالتالي بتدبير شؤون المدينة الإسلامية، كل هذا واضح وابن خلدون يصرح به. بيد أن ما يستحق التنبيه عليه هو أن صاحب المقدمة قد استبطن ما عند الماوردي في الأحكام السلطانية، ونحن نميل إلى الظن أنه قد اطلع على بعض كتابات الرجل في أدب النصيحة السياسية، وابن خلدون يقف على كل عند مفكر تبدو في فكره بصمات التأثير الماوردي قوية وهو أبو بكر الطرطوشي، والطرطوشي عند ابن خلدون قد «حوم حول موضوع العمران من دون أن يقدر على ولوجه، أو كما قال: «لم يصادف الرمية ولا أصاب الشاكلة كما اقتدر ابن خلدون على ذلك (أو هذا معنى كلامه). يستحضر الماوردي التاريخ البشري مادة لاستخلاص العبرة واستمداد أمثلة يقيس عليها، ويستلهم التاريخ الديني مادة للتشريع ولكن ابن خلدون يمضي فيخطو الخطوة الحاسمة في اتجاه إكساب التاريخ استقلالية في الموضوع وفي المنهج الملائم في النظر والفهم.
خاتمة
حظي ابن خلدون بما لم يحظ به غيره من مفكري الإسلام من جهة اهتمام الدارسين العرب، سواء تعلق الأمر بوفرة الأبحاث الجامعية، أو المؤتمرات التي خصصت لصاحب المقدمة، غير أننا حاولنا في الصفحات السابقة أن نكشف عن جوانب الإجحاف ومجانبة الصواب في الغالب الأعم من تلك الدراسات. حاولنا كذلك أن نجد لذلك الإجحاف سبباً أو أسباباً توضحه، وفي المقابل اجتهدنا في توضيح القراءة المغايرة لمقدمة ابن خلدون أو لما كان على كل، تمهيداً لذلك. بيد أن ما يعنينا في هذه الخاتمة هو التساؤل على النحو التالي: هنالك اكتشاف لابن خلدون وجه إليه مفكرو الإسلام في عصر النهضة، واليوم هنالك، منذ بضع سنوات، حديث عن النهضة الثانية، فهل من شأن قراءة لابن خلدون اليوم أن تسعفنا بما يكون ذا نفع في حديث النهضة الثانية هذه؟ ربما وجب أن نوضح مغزى السؤال بكيفية أخرى فنقول: هذه النهضة المأمول بلوغها أو السير نحوها