النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٧٢

672

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

تستدعي مراجعات شاملة للذات الثقافية العربية الإسلامية، ومن مقتضيات تلك المراجعة استدعاء تراثنا العربي الإسلامي في الجوانب المضيئة منه، وبالتراث لا نقصد الإنتاج الفكري في مرحلة من دون غيرها، بل نحن نقصد به عملاً تركيبياً ذهنياً يستدعي أجود ما في المراحل التاريخية التي عاشها ذلك التراث؛ فهل هنالك من حاجة لنا إلى استحضار فكر المقدمة ومعاودة التأمل في الفكر الثاقب لصاحبها؟ يمكن القول في عبارة أخرى: هل في الإمكان اليوم، في زمن الانتفاضات العربية، أن نتحدث عن راهنية ابن خلدون؟

نحسب أن الفكر الخلدوني، في مجمله، لا يزال ذا جدوى بالنسبة لنا اليوم: إنه قابل للاستلهام من حيث النظر النقدي الصارم الذي كان ينظر به إلى عصره، فقد كان ابن خلدون أبعد ما يكون عن الوهم في الحديث عن قومه وعصره، وقارئ المقدمة يتبين الصرامة التي كان يصف بها تأخر الحال الثقافي في بلاد الغرب الإسلامي عنه في بلاد المشرق، ثم تأخر حال العلم والمعرفة في بلاد الإسلام عنه في أوروبا. ذلك مغزى جملته الشهيرة والأليمة في الحديث عن واقع العالم الإسلامي كما كان يشاهده وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة: والله وارث الأرض ومن عليها. ونحسب أن حديث ابن خلدون العدل وصلته بالعمران لا يزال حديثاً راهناً يصدق على مناطق شتى من عالمنا العربي، ولنا في ما شهده هذا العالم في السنة المنصرمة، وما لا يزال يشهده مادة للتأمل ومجال للعبرة والاستبصار ونحسب كذلك أن في الأحاديث الخلدونية المسهبة عن الأخطار التي تنشب في العمران نتيجة اشتغال السلطان بالتجارة، وتحذيره من مغبة ذلك لا يزال فكراً معاصراً، راهناً وقابلاً للنظر النقدي المستنير. ومن دون مغالاة نقول، في الأخير، إن كل ما يقال اليوم عن السلبية التي تكمن في اقتصاد الريع، وبالتالي ضعف وهشاشة الدولة الريعية من جانب، والأخطار التي تمثلها الفئات الطفيلية التي تعيش في الدولة على الريع الاقتصادي وعلى صنوه والمؤدي إليه وهو الريع السياسي، نجد في قراءة مقدمة ابن خلدون والوقوف عند نظراته الثاقبة مادة للتأمل، مادة تحمل على المراجعة وتدعو إلى إعمال سلاح النقد الذاتي، تجنباً للفساد الشامل، واجتناباً للهرم والظلم اللذين يؤديان إلى خراب العمران.