النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦٨68
889
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
• كثرة العلوم التي تحتاجها النظريات فبداية التحليق في سماء النظريات يقتضي الغوص في أعماق الأبواب العلمية جميعاً حتّى يستطيع العالم أن يبني نظريته على أرض صلبة، وذلك يتوقف على استقراء قوي، وهو يستنزف وقتا وجهدا، وبالإضافة إلى ذلك فهي تحتاج كما قدمنا إلى الأصول وأدلتها كالقياس بنوعيه وإلى ملكة فقهية واسعة وملكة مقاصدية تذلل الصعب وتستلذ العسير وإلى القواعد الفقهية (الأشباه والنظائر والفروق» والأدلة الكلية جميعاً، فذلك يقضي الاجتهاد في جملة من المسائل لأن كثيراً من المسائل تناقش في باب دون غيره، وعلى من تربع صهوة النظريات أن يوسع دائرة الأحكام الواردة في أي باب منها على بقية الأبواب ويبين حكمها إما بموافقة ما في الباب الآخر وإما بمخالفة بناء على الدليل المعتبر، جامعاً بين النظرية والتطبيق، وذلك يتوقف على قدرة وأهلية يقل نظيرها، أهلية الاجتهاد، وهي صعوبة لا تخفى على اللبيب، وإن لم يكن بهذه الصورة تخرج النظرية سطحية مشوّهة لا تحقق غاياتها المرجوة.
•
هي
كثرة التباين بين الأبواب الفقهية فقد يتشرط في باب ما لا يشترط في غيره، فالبلوغ شرط في عقد الإمامة بلا ريب، وشرط في من يلي عقد النكاح، لكنه ليس شرطاً في الناكح، وضرورة العلاج تبيح كشف العورة بخلاف ضرورة الإكراه عند بعض أهل العلم، كالمحقق الخليلي - رضوان الله عليه فلا تسوغها، وهذا التفريق وغيره يفتقر إلى بيان المسألة بأدلة تبرز الفروق بين هذه الأبواب، أو يردّ على التفريق بدليل مقنع. وهذه العقبات قد تكون أكبر حافز لخوض غمار النظريات، واقتحام لجتها عند أصحاب
الهمم العالية.
-
إذا غامرت
شرف مروم
فلا تقنـ
بما دون النجوم
وتولي أصحاب تلك الهمم دفع عجلة النظريات يطوي مراحل طفولة هذا العلم ليصل إلى مرحلة الشباب والنضج، وهو أمر ميسر هذه الأيام أكثر من ذي قبل، بما فتحه الله تعالى من وسائل العلم، كالحواس اسيب والأقراص المدمجة وغيرها من الأسباب المعينة على تتبع وتحقيق صور الاستقراء فيها، وشكر المنعم بهذه الوسائل إنَّما يكون بحسن توظيفها.
(6) أركان النظريات الفقهية
المسألة،
يقوم البنيان المادي والمعنوي على أعمدة يتعذر عليه القيام، دونها، والنظريات حتَّى تحقق غايتها لا أن بد تقوم على ركائز؛ هي كالأركان بالنسبة لها، ومن المعلوم أن بفوات الركن ينهد البناء الشامخ؛ فلا يصلح للسكنى، بل قد يكون سبباً للهلاك والعياذ بالله.