النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦٧٧الفقه مصدراً للتاريخ: بيان الشرع والمصنف
د. إبراهيم بن يوسف بن سيف الأغبري
677
ويقف المصنف جنباً إلى جنب مع بيان الشرع في القيمة الفقهية، فرغم قلة أجزائه مقارنة ببيان الشرع، حيث تبلغ أجزاؤه واحداً وأربعين جزءا، غير أنه لا يقل عنه في تلك المكانة والتي يمكن تحديدها من خلال ما ذكره الشيخ البطاشي عندما قال: من أشهر كتب أصحابنا المشارقة، وأجودها تأليفاً وتبويباً، وأوضحها عبارة، وأسهلها، مطالعة خال من التكرار غالباً، لا يفوته في صنعة التصنيف، وحسن السبك، إلا كتاب منهج الطالبين).
وقد كان بلوغ المصدرين هذه المرتبة؛ لأنهما جمعا الأصول والفروع للشريعة، واشتملا على سائر أبواب الفقه. يقول الشيخ السالمي في معرض حديثه عن بيان الشرع: «جامع لأصول الشرع وفروعه، وإنه لكتاب ظاهر البركة، عم نفعه الآفاق (2)، وهذا يعني استيعاب الموسوعتين لكل أبواب الفقه وضمها في قالب تفصيلي معتمدة على النصوص الشرعية وما ورد فيها من الأقوال والآراء، مما سمح للمؤرخ والباحث في التاريخ الحصول على مادة تاريخية غزيرة من خلال تتبعه للصحابة والعلماء الذين وردت أسماؤهم في إطار تلك المسائل المعروضة، نظراً لاتساع الموسوعتين في احتواء كل ما تتضمنه تلك الآراء، وما ارتبط بها من أحداث عبر المسار الفقهي.
ثانياً: ثقافة الشيخين ومعاصرتهما للأحداث
من المؤكد أن قيمة المؤلف إنما تجسد ثقافة المؤلف، وبالنظر إلى الموسوعتين بيان الشرع والمصنف ومكانتهما العلمية، فإننا ندرك بأننا أمام عملاقين من عمالقة العلم حازا قصب السبق في ميادين العلم، وقد عدا من كبار العلماء في عصريهما. يقول الشيخ البطاشي في وصفه للشيخ الكندي صاحب (بيان الشرع): وكان من أشهر علماء زمانه، ومن كبار المؤلفين في عصره» (3). ويقول عن الشيخ صاحب (المصنف): (من العلماء المشهورين في زمانه، ومن المحققين المجيدين في التأليف» (4).
لقد مثلت الثقافة التي استقاها الشيخان إحدى الركائز في إجادتهما للتأليف الذي جمع بين الفقه والتاريخ، بحيث جاءت الموسوعتان تشتملان على تراجم للعلماء وتتضمنان للسير والجوابات فضلاً على الفرق والتيارات الأخرى، وبرغم توسع بيان الشرع في إيراده لتلك التراجم والسير ـ كما سيرد - مقارنة بالمصنف بما يشهد بغزارة علم مؤلفه، غير أن صاحب المصنف جاء مكملاً له في ما يختص بالجانب التاريخي، فقد عوّض ذلك النقص بتأليف كتاب خاص سماه: (كتاب
(1) البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، ج 1، ص 327. (2) السالمي، عبدا الله بن حميد بن سلوم، اللمعة المرضية من أشعة الإباضية مخطوط، وزارة التراث القومي والثقافة، رقم 67 ب.
(3) البطاشي. ج 1، ص 308. (4) البطاشي، ج 1، ص 326.