النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٧٨

678

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الاهتداء والمنتخب من سير الرسول الله وأئمة وعلماء عُمان)؛ ليؤكدا جميعاً على قدرتهما العلمية، واستيعابهما لعلوم عصريهما، ومعرفتهما الواسعة في اتباع المنهج التاريخي من خلال تدوين الأحداث الواقعة في زمنهما.

كما تكمن أهمية المصدرين التاريخية في معاصرتهما للأحداث الجارية بعمان. فمن الناحية الثقافية يعد عصر الشيخين من العصور الذهبية، حيث ظهر في القرنين الخامس والسادس الهجريين عدد كبير من العلماء، وألفت فيه الموسوعات الكبيرة، فساعدهما ذلك على تكوين حصيلة علمية واسعة مكنتهما بعد ذلك من خوض غمار الكتابة والتأليف وثمة عامل ساهم بدور فاعل في بلورة فكرهما وحملهما على التدوين يرتبط بقضية عاصرها الشيخان، وتتمثل في احتدام الخلاف بين المدرستين النزوانية والرستاقية. وتعود نشأة المدرستين إلى عام 272 هـ بعد عزل الإمام الصلت بن مالك الخروصي، وقيام دولة راشد بن النظر على يد الشيخ موسى بن موسى بن علي، حيث أفضى ذلك إلى انقسام في الآراء بين العلماء، فقسم أخذ جانب التشدد، واعتبر الذين قاموا بعزل الإمام بغاة، إذ لا يجوز في رأيهم الخروج عليه، وقاموا في سبيل ذلك بتأليف الرسائل، وأطلق عليهم أصحاب المدرسة الرستاقية، نسبة إلى مدينة الرستاق ومن أشهر علمائها الشيخ أبو الحسن البسيوي والشيخ أبو محمد بن بركة البهلوي. أما القسم الثاني وهم أصحاب المدرسة النزوانية المنسوبة إلى مدينة نزوى، فقد أخذوا بمنهج الاعتدال، ودعا العلماء إلى ترك الخلاف، وأشهر علمائها الشيخ محمد بن روح بن عربي الكندي والشيخ محمد بن سعيد الأزكوي، والإمام أبو ابو سعيد محمد بن سعيد الكدمي، الذي يعد قطب المدرسة النزوانية. وقد تأثر الشيخان بأفكار المدرستين بحكم مراتبهما العلمية، ولكون الخلاف الفقهي بين العلماء شكّل ثقافة العصر الذي عاشا فيه واستوعبا، علومه ما دعاهم إلى اتباع الفرقة التي تمثل الاتجاه الذي سار عليه كل واحد منهما، فلحق الشيخ صاحب (بيان الشرع بالمدرسة النزوانية، وضمن آراءه كتابه الكبير، أما الشيخ صاحب (المصنف) فقد تبع المدرسة الرستاقية، وبرزت مواقفه فيه، ومن ثم شرحها في كتاب الاهتداء الذي يعد من أفضل ما ألف في هذه المدرسة، تناول فيه آراء المدرستين بالتفصيل، فيقول في مقدمته: «أما بعد؛ فإني نشأت في زمان وجدت أهله من أهل عُمان ممن يتسمى بالإباضية، نحلة الإيمان مختلفين في حكم حادثة قد اتفقوا على صفتها ومتنازعين في اسمها، على إجماع منهم على صحتها، فهم طائفتان كل طائفة منهم تخطئ أهل صفة الطائفة الأخرى، وتبرأ منهم .... إلى أن قال: فعند ذلك أخذت في دراسة آثارهم، وتأمل سيرهم وأخبارهم، ونظر مذاهبهم وأقاويلهم، واعتبار حججهم وتغالبهم، فقابلت بينها بالتصحيح، ووزنتها وزن القسط للترجيح … ).

(1)

(1) الكندي؛ أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى، كتاب الاهتداء والمنتخب من سير الرسول الله وأئمة وعلماء عُمان، تحقيق: سيدة إسماعيل كاشف، سلطنة عُمان، وزارة التراث القومي والثقافة، 1406 هـ/1985 م، ص 24 – 25.