النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٦٧٩الفقه مصدراً للتاريخ: بيان الشرع والمصنف
د. إبراهيم بن يوسف بن سيف الأغبري
679
بهذا فقد انعكست آراء الشيخين بتأثير الثقافة السائدة في الموسوعتين (بيان الشرع) و (المصنف)، حيث إن إثراء الحركة الفقهية في عُمان عامة الناشئ من ذلك الخلاف قد ساهم في بروز مكانة الشيخين، فقد قاما خلالها بتمحيص آراء وأقوال العلماء وربط ذلك بالأحداث الجارية التي تولّدت عن أفكار المدرستين في قالب تاريخي واضح، وهذا ما يسّر الحصول على مادة تاريخية غزيرة عبر المنظومتين الفقهيتين.
(2)
لم يكن الخلاف الدائر بين المدرستين قد انحصر في الجانب الثقافي فحسب، بل امتد ليشمل النواحي السياسية أيضاً، فقد أخذت كل مدرسة تنظر إلى الإمام المنصوب وفق اتجاهها الفكري لتعارض به الفرقة الأخرى، وتؤكد لها صحة مسلكها، بل ذهب بها الخلاف إلى أبعد من ذلك، حينما جعلت كل طائفة تنصب إماماً لها)، وكان الشيخان قد عاصرا عدداً من الأئمة، فالشيخ الكندي صاحب (بيان الشرع كان قاضياً وعاصر من الأئمة الإمام راشد بن سعيد المتوفى عام 445 هـ، وابنه الإمام حفص بن راشد بن سعيد والإمام راشد بن علي المتوفى عام 476 هـ، كما عاصر الشيخ صاحب (المصنف) عدة أئمة وعقد الإمامة للإمام محمد بن خنبش 2 إن المكانة التي بلغها الشيخان والعمل في سلك القضاء بجانب الأئمة في ظل الخلاف القائم، قد ساهم ولا ريب في إيجاد مناخ ملائم وقاعدة ينطلق منها صاحبا (بيان الشرع) و (المصنف)؛ ليودعا حصيلة تجربة حية عاصراها واكتويا بنارها في هذين المصدرين الكبيرين ليخرجا حافلين بآراء وأقوال العلماء والأئمة المعاصرين منهم بل والسابقين لهم، وقد بان أثر ذلك جلياً في تخصيص الشيخ صاحب (بيان الشرع) الجزء الرابع من موسوعته في شرح الخلاف الواقع في عُمان هذه القضية، وما نتج عنها من الاختلاف طيلة القرون الماضية، واصفاً الجهود التي يبذلها لرأب الصدع ونشر روح التسامح والتضامن، فنقرأ: فقد مَنَّ الله تعالى على أهل عُمان بائتلاف الكلمة على أمر واحد، ودين واحد، وهو دين الله الذي أرسل به رسوله، واتفقوا في أحداث أهل عُمان … »، إلى أن قال: «ليس قصدي ولا اعتمادي مخالفة قائل، ولا الطعن عليه، ولا هتك ستر، ولا كشف عورة» (3)، كما نقرأ قوله: والذي عرفت أن أهل عُمان الذين ينتحلون دين الإباضية كانوا كلهم على دين واحد» (4).
بسبب
(1) السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان، ص 353 والسيابي، سالم بن حمود بن شامس، عُمان عبر التاريخ، الطبعة الرابعة، 1421 هـ/2001 م، ج 3، ص 1
92 - 91
(2) الأزكوي؛ سرحان بن سعيد، كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، دراسة وتحقيق: حسن النابودة دار البارودي، ج 2، ص 910. وانظر: الخروصي، سليمان بن خلف بن محمد، ملامح من التاريخ العُماني، مكتبة الضامري، الطبعة الثالثة، 1422 هـ/2002 م،
ص 128 - 130.
(3) الكندي: بيان الشرع، ج 4، ص 93 - 94.
(4) الكندي: بيان الشرع، ج 4، ص 103.