النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٩٨

698

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

من الفتاوى التي يتضمنها باب من مثل: «باب الحديث» في فتاوى الإمام النووي»، وعلى الرغم من أهمية هذه الفتاوى من الناحية العلمية، فإن دلالتها التاريخية محدودة، أو فقيرة، تكاد تقتصر على نوع الحراك العلمي في تلك الحقبة التاريخية مثل هذه الفتاوى لا يمكن أن توزن مثلاً بفتوى تتصل بقضية كبيرة من قضايا الأمة، يترتب عليها أمر عظيم، في هذه الأخيرة نحن أمام حدث تاريخي كبير تصنعه الفتوى من ناحية وتدل عليه من ناحية أخرى.

على أن الفتى قد تكون مزيفة، أعني أن سؤالها غير موجود أصلاً، فمن المعلوم أن بعض الفقهاء كانوا يخترعون أحياناً السؤال، ليجيبوا عليه، فقد حكى القاضي عياض عن أصحاب مالك أنهم كانوا يحتالون أن يجيء رجل بالمسألة التي يحبون أن يعلموها كأنها مسألة بلوى، فيجيب وفي هذه الحالة فإن الدلالة التاريخية منعدمة، ولا تكون أمامنا إلا الدلالة التعليمية. وتنعدم الدلالة التاريخية أيضاً عندما يكون السؤال متعلقاً بمسائل لا علاقة لها بالحياة التي يعيشها الناس، من مثل الأمور الغيبية والافتراضية وعلل الأشياء وحقائقها.

فيها

(1)

ترتبط الفتوى غالباً في أذهان الناس بالمسائل الفقهية، أعني المسائل الجزئية، أو مسائل الفروع، سواء كانت عبادات أو معاملات، لكنه ارتباط غير صحيح، فمفهوم الفتوى أعم وأعلى من ذلك، إذ إن جوانب الدين والدنيا جميعاً محل سؤال، ومن ثم فهي محلّ فتوى، على صعيد الدين هناك القضايا الدينية الكبرى والأساسية التي تتصل بالعقيدة الإيمان والكفر وما يلحق بهما، وعلى صعيد الدنيا تتسع الأسئلة والفتاوى اتساع مساحة الدنيا نفسها.

على أن بعض الباحثين ربما حصر مجالات الفتوى بمسائل الدين الأحكام الاعتقادية والأحكام الأصولية، والأحكام الفرعية التكليفية والوصفية»، ووسع بعضهم الدائرة ـ وإن كان في سياق النوازل الفقهية في المغرب الإسلامي - فعدة مجالات الدين السياسة والاقتصاد، والاجتماع، والتربية والأدب والفن والطب والعلم، والتاريخ.

وإذا كان السؤال ذا بعد أحادي هو السائل، فإن الفتوى ذات أبعاد أربعة بالضرورة: السائل، والمستفتي، إذ لا فتوى في العادة من غير سؤال والسؤال والمسؤول أو المستفتي الذي وجد فيه السائل محل الإجابة أو الفتوى لامتلاكه الأهلية اللازمة، ثم هناك الفتوى نفسها.

وعلى الرغم من أن السائل هو الذي قدح شرارة الفتوى، فإن هذا الطرف (السائل) هو أقل العناصر أهمية، ذلك أن السؤال قد حجبه.

(1) ترتيب المدارك، 191/ 1. (2) الفتيا ومناهج الإفتاء، ص 24.

(3) تداخل التاريخ بالفقه: نموذج النوازل الفقهية، أحمد السعيدي، بحث في مجلة التسامح: 28، خريف 2009.