النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٦٩٩

كتب الفتاوى والتاريخ الاجتماعي في الإسلام

د. فيصل عبد السلام الحفيان

699

وعلى الرغم من أهمية المجيب أو المفتي فإن الفتوى أيضاً أهم منه، إذ إنها هي الموضوع الذي يعكس الرؤية أو الحل المقدَّم لمشكلة قد تتكرّر في الآتي من الزمان، على أن هذا لا يعني حجب عنصري السائل والمجيب مرة واحدة، إذ الفتوى قد تكتسب أهميتها من ارتباطها بهما، وبخاصة المفتي، فيه ـ لا شك - ثمرة فكر هذا الرجل ورؤيته، وجزء من القيمة والاحترام الذي تحظى به الفتوى مرهون به أو مكتسب منه.

هذا التقييم ينظر إلى الفتوى نظراً عاماً، فإذا ما نظرنا إلى الفتوى نظراً خاصاً اختلف الأمر، فمع الوجهة التاريخية يبرز السؤال بوصفه العنصر الأهم؛ لأنَّه هو الذي يثير المشكلة التي تعكس اهتمام الفرد في المجتمع، وقد تعبر عن مسألة تشغل بال المجتمع أو طائفة منه، هو الذي يتضمن عنصراً أو أكثر من العناصر اللازمة للتاريخ من: حدث، واسم شخص أو جماعة، وزمان، ومكان، أما مع الوجهة الفقهية فالحكم هو المقدم.

كما أنه

تلك

تصنعه،

هي العناصر الأساسية لمنظومة الفتوى، وثمة عنصران آخران أكثر خطورة، هما: أولاً: عنصر أثر الفتوى، وأعني الأثر الذي يتعدى نص الفتوى، فقد يتجاوز هذا الأثر حدوده المرتهنة بالسائل والمسؤول الموضوع الأول، ليصبح «قضية كبيرة تغير مجرى التاريخ أو ثانياً: عنصر دلالة الفتوى، وهي دلالة تجعل منها حيناً «خبراً» تاريخياً عن حدث ما يكتسب قيمته من أنه هو الخبر الذي نسيه التاريخ أو غفل عنه، ولولا «الفتوى» لما عرفناه، أو عرفنا عنه ما نريد، ثم إن الفتوى بطبيعتها تتجاوز غالباً مسألة «الخبر» المجرد الذي تحتويه بالضرورة، إلى تقديم «رؤية ذلك أن السؤال أو الاستفتاء يوجه في العادة إلى شخص ذي قيمة تجعل من رؤيته رؤية محترمة.

إن ارتباط الفتوى بالسؤال يعني ارتباطها بحدث ما، صغيراً كان أو كبيراً، والحدث هو العنصر الأهم في معمار التاريخ، وإذاً فإن التاريخ مكون من مكونات الفتوى، من دونه تكون الفتوى حكماً فقهيا»، إذ الحكم الفقهي هو حكم في المطلق، لا علاقة له غالباً بالحدث. وتعلو القيمة التاريخية للفتوى كلما حفلت بالعناصر التاريخية، أعني الأسماء، أسماء الأشخاص والجماعات والأماكن والأشياء عامة والأحداث، والتواريخ

ومما يؤسف له أن الحكم، وطلب الجواب، يطغى طغياناً على أساس أنه مقصود السائل، ويكون ذلك على حساب تسجيل صيغة السؤال لصالح الجواب الفتوى ولا أدل على ذلك من اختفاء الظروف المحيطة بالسائل وزمانه ومكانه، وبذلك تضيع العناصر اللازمة لرسم صورة

التاريخ.