النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧٠١

701

|

كتب الفتاوى والتاريخ الاجتماعي في الإسلام

د. فيصل عبد السلام الحفيان

إنه يعود إلى القرآن الكريم والأحاديث النبوية؛ لأنَّه بذلك يتمكن من ضبط تطور الأحداث التاريخية بدقة أكبر.

ويرجع الهنتائي ما ذهب إليه حجي ومن يرى رأيه إلى أن كتب المسائل تختلف عن كتب الفتاوى في طريقة مقاربتها لاستخراج التاريخ منها، فإذا ما كانت كتب الفتاوى تحتاج إلى قراءتين مختلفتين: قراءة فقهية، وقراءة تاريخية الأولى لاستقاء الحكم الفقهي، والثانية: لتحديد الزمان والمكان والأعلام، حتى نتمكن من الوصول إلى المادة التاريخية، فإن كتب المسائل قد لا تخضع للقراءة التاريخية نظراً لخلوها من الزمان والمكان والأعلام، ويكون الوصول إلى المادة التاريخية عن طريق الإشارات العرضية وفحوى السؤال نفسه ودلالاته الداخلية.

إن الهنتائي يسلّم بأن كتب المسائل زمنها «المدونة» تقوم على الافتراض، لكن هذا الافتراض - في رأيه - لا يخرج المضمون عن إطاره الزمكاني كل ما في الأمر أن هذه المادة الافتراضية تحتاج إلى قدرة على معالجتها، وإحساناً في التصرف حيالها.

وجهة أن بناء مادة تاريخية اعتماداً على عدم الخروج عن الإطار الزمكاني وحده لا يجعل منها

مادة ناضجة ومعبرة ومفيدة.

ويبدو

وقد يكون ما ذهب إليه الرجل صحيحاً، لكنه ليس دقيقاً من جهتين: جهة أن الفتوى قد تفتقر أيضاً إلى ما افتقرت إليه المسألة، فيقع التساوي بينهما، وعلى الرغم من ذلك فإن الفتوى تظل أعلى درجة من المسائل في علاقتها بالتاريخ، ولهذا فإن يوسف شاخت يقول: إن كتب الفتاوى تكتسي أهمية تاريخية بالغة؛ لأنَّها تعرفنا بالمسائل المطروحة في الواقع المعيش، في مكان معين، وفي زمن معين». أن عدداً لا بأس به من الباحثين يؤيدون شاخت في ما ذهب إليه، على أن التأييد ظل مجرد تبن نظري للفكرة، لكنه لم يتحول إلى تطبيق، بمعنى أن التوجه العملي للإفادة من كتب الفتاوى من الناحية التاريخية لم يتم إلا من قبل عدد قليل من مثل الهنتائي الذي ذكرناه آنفاً، وقبله برنشفيك وتلميذه هـ. ر. إدريس، بالإضافة إلى محمد الطالبي ومحمد حسن. وعلى كل فإن الاشتغال على كتب الفتاوى قد حظي بجهد باحثي المغرب العربي، وإن كان جل هذا الجهد قد انصرف إلى تحقيق هذه الكتب لا إلى دراستها، خاصة من الناحية التاريخية.

وفي مقابل هذا الاتجاه القوي لاعتماد كتب الفتاوى خاصة، والفقه عامة مصادر تاريخية، فإن ثمة اتجاهاً آخر - معاكساً يتبناه كثيرون يرى في اعتماد المؤرخ على الفقيه خطراً ينبغي تفاديه، ومن أصحاب هذا الاتجاه جان سوفاجيه، الذي حذر المؤرخ من استعمال كتب الفقه - اتجاهاً اتسم بالحذر من هذا التوظيف التاريخي لكتب الفقه، وذلك أن كتب الفقه ـ ومنها كتب الفتاوى ـ فيها عيوب، يمكن إيجازها في: