النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧٠٢

702

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الانتقاء: وذلك أن الفقهاء يمارسون نوعاً من الرقابة، فلا يدرون من الفتاوى والمسائل في كتبهم إلا ما يعترفون به، أو بصحة حكمه.

الاختلاق: وذلك أن الفقهاء كانوا يحتالون أحياناً ليسوغوا الحكم، وكأنهم بذلك يصدرون الحكم ثم يبحثون عن سؤاله، مما يعني عدم صدق الفتوى أو المسألة برمتها.

الإهمال: إهمال التفاصيل، من مثل التواريخ، ولنا أن نتصور الحدث من دون إطار زماني له، إنه يفقد دلالته ومن ثم قيمته، ويتصل بإهمال التواريخ، عدم الحرص على تسلسلها، وهذا بدوره يؤدي أيضاً إلى فقدان الدلالة والقيمة.

تسلّل النظر، بمعنى البعد عن الواقع، مما يحيل الفتوى فتوى مصنوعة لا ارتباط لها بحياة

الناس، ويجعلها أشبه بالمسائل الافتراضية تمس العلم الخالص، وتنأى عن التاريخ تماماً. وعلى كلٌّ فإن هذه الاعتراضات على توظيف كتب الفقه والفتاوى توظيفاً تاريخياً لا تقلل من شأنها، بدليل أن الذين أوردوا هذه الاعتراضات أنفسهم قاموا بالدرس التاريخي اعتماداً على هذه الكتب، وإنما علوا ذلك؛ لأنهم - في ما يبدو - لم يستطيعوا الاستفتاء عنها، هو لأن كتب التاريخ نفسها لا تسد مسدها، فعلى الرغم من أن هذه الكتب التاريخ (الأخيرة) قد ظلت المصدر الرئيس للمعرفة حول اجتماع الناس وما يطرأ عليهم في حياتهم بمختلف جوانبها، لكن هذه الكتب يتوفّر فيها عنصر القصد، بمعنى أن المؤرخين يكتبون وهم شديدو الوعي بأنهم إنما يؤرخون، وأن ثَمَّ من يعود إلى ما كتبوا ليعرف ما جرى من ناحية، وليضع يده على اهتمامات الناس وظروفهم ومشاغلهم من ناحية أخرى، وهذا الوعي - في تقديرنا - ربما يؤثر سلباً على ما يمكن تسميته التلقائية في الرصد والتسجيل (التاريخ) إذا افترضنا أن لكل حدث أو أمر على وجه العموم ظاهراً وباطناً، فإن التاريخ الواعي ربما يقوم بعمليات إزاحة أو تجميل لما يريد تقييده، نحن ـ إذاً ـ مع كتب التاريخ نقرأ ظاهر الحياة، أكثر مما نقرأ باطنها، وهو ما لا يمكن أخذه على كتب الفتاوى التي تتسم بالتلقائية الشديدة في تقييد حياة الناس وأوضاعهم، إن هذه العفوية أو عدم المباشرة يعني بالضرورة صدقها.

على أن ثمة فارقاً جوهرياً هو أن كتب التاريخ وما يلحق بها غالباً ما تعنى بالشريحة العليا في المجتمع، أو بالنخبة النخبة السياسية والعلمية والاقتصادية والدينية على حين أن كتب الفتاوى تعبّر عن الشريحة الكبرى، أو العامة، فالأسئلة أسئلتهم والأحداث أحداثهم، والهموم همومهم، والمشكلات مشكلاتهم في بيوتهم وشوارعهم وأسواقهم ومدنهم، ومع أفراد شؤونهم صغروا أو

كبروا، بل في علاقتهم مع الله تعالى، وما في نفوسهم من خير وشر.