النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧١

تأصيل منهج النظريات

الشيخ أفلح بن أحمد الخليلي

71

دائرة السكوت المزعوم وهذا إن سلم بأصل وجود مسـ سكوت عنه في الأدلة الشرعية وهو محل نظر، فالشارع لم يترك شيئاً نسياناً، وإنما شملته أدلة أخرى كالقياس أو دلالات ليست بصريحة كالمفهوم، فهي ترجع في غالبها إلى الدائرة السابقة، وقد يحيله إلى دائرة الإباحة الأصلية، فما سكت عليه من هذا القبيل فهو عفو.

ومن المعلوم بأن دائرة التعبد لا يتوسّع فيها بالقياس ولا بالتعليلات إلا في حدود ضيقة؛ لأن أسوار التعبد لا يتسوّرها العقل في الأصل، بخلاف التعليلي فلا يشترط في العقود أن تكون مسماة، وهذا أمر له دلالته في فتح مدارك العقل الإنساني على مصراعيه بالضوابط الشرعية طبعاً ليبتكر ما يحقق مصالحه الدنيوية من دون أن يضر بدين ولا دنيا.

الركن النفسي:

تحتاج النظرية إلى طول النفس في الاستقراء والتتبع؛ بحيث يستلذ المنظر لها طول السهاد في إعادة البصر كرتين، وتكرار محاكمة النتائج وعرضها على القواعد الكلية بغية الدقة في الوصول إلى الحكم، وكما قدمنا فالنظرية تتحقق باجتماع تتبع الأدلة الشرعية والفروع الفقهية، وكلاهما يتطلب جهداً مضنياً.

الركن المنهجي:

تتوقف المهارات العلمية الكبيرة على أسلوب العرض، الذي جعله الله تعالى مهارة يملك صاحبها بفضله - جل وعلا - توصيل فكرته للناس حتَّى يقبلوا ما عنده؛ لإتقانه مهارة توصيل المعلومة، وقد الله يفتح لبعض أهل العلم كنوز المعرفة؛ لكنه لا يستطيع مد جسور التواصل بينه وبينه العامة إلّا قليلا. وثمّ شخص نصيبه من العلم قليل لكنه يلج إلى القلوب بلا استئذان، ويستطيع أسرها بلا قتال، ولهذا قد يطير صيت عالم وسيط - وهو الذي ينقل أفكار غيره - أكثر من صيت من هو أعلم منه.

والنظرية تحتاج إلى أركان منهجية نجملها في الآتي: أهمية الوحدة الموضوعية: فلا يمكن أن تشيد نظرية تجمع بين أحكام القتال والصلاة؛ لعدم تماثل الأركان ولا الشروط ولا الأسباب ولا الموانع؛ والنظرية تركز على المتماثل؛ وقد سبقت الإشارة إلى كلام بعض الباحثين باشتراط الاتساق في جميع الجوانب، وهو ضعيف؛ لأنه أصل النظرية بالإبطال، فلا تكاد تتحد الأبواب في جميع تفاصيلها؛ ومن أكثر أبواب المعاملات تماثلاً باباً المساقاة والمزارعة؛ لكن ثمة جملة من الأحكام تختلف بين البابين؛ فضلا عن الأبواب الأخرى؛ وذلك مثلاً كنظرية العقد ونظرية الإكراه.

يعود على

(1) ينظر للباحث: المساقاة: مشروعيتها وشروطها وأحكامها، سلطنة عُمان، مطبعة النهضة، ص 19 - 20.