النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٧٠٧المفهوم الإسلامي للبناء والعمران
د. خالد محمد عزب
707
اقتداء
يتبين من هذا أن المسلمين أدركوا أهمية الظاهرة الحضرية في نشر الدين الإسلام لامي بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي بدأ بنشر دعوته في مدينة مكة المكرمة، ثم في يثرب التي هاجر إليها فتحوّل اسمها إلى المدينة، فالمدينة كنمط حضري يشرت عملية انتشار الإسلام الأثر الواضح على المشهد الحضري القديم من ناحية، وعلى المدن المحدثة التي اختطها المسلمون كالقيروان والبصرة والكوفة والفسطاط وغيرها من ناحية أخرى. ففي الصنف الأول أقر الفقهاء في معظم الأحيان ما وجد في هذه المدن القديمة على أساس أن المحدث يمنع والقديم لا يمنع، أما في الثاني وهي المدن المحدثة فنجد في كتب الفقهاء جملة من المبادئ العامة التي دعوا إلى تطبيقها واحترامها نذكر منها: إعطاء الطريق حقه من حيث السعة والوظيفة والآداب … إلخ مما هو محل
بحثنا هذا.
الصنف
وبالرغم من أن مسائل المدينة لم ترد مجتمعة سوى لدى علماء السياسة الشرعية، فإنها لدى الفقهاء جاءت في أبواب متفرقة، لكنها عند كليهما تنحصر في مظهرين أساسيين: فمن ناحية المدينة هي عمارة، وهو الشكل الخارجي للظاهرة الحضرية، وهي أيضاً من ناحية أخرى مجتمع، فالمدينة عمارة ومجتمع مظهران متكاملان ومترابطان ومتداخلان، نستطيع أن نفسر معالجة فقه العمران لحركة العمران في المجتمع، إذ ارتبطت كثير من المعالجات بقضايا تخص قيم المجتمع وثوابته.
إن هناك جدلاً بين الفقهاء - مثلاً - حول تعريف المصر الجامع الذي تقام فيه صلاة الجمعة (1) فقراءة هذا الجدل مفيدة من عدة أوجه: الأول: من حيث إنها يمكن أن تؤدي إلى فهم أفضل للفقه الإسلامي، وطرائق إدراكه للواقع ومتغيراته.
الثاني: من حيث إنها تكشف عن تطوير الفقه لتحديدات وإدراكات المدن ومحيطها.
(2)
لم يظهر لدى فقهاء الأحناف مصطلح المصر) (الجامع الدال على المدينة قبل النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي، ولم يتأخر عن النصف الأول من القرن التاسع الميلادي وفقاً لدراسة تحليلية قام بها بابر يوهنسن)، وهكذا فإن مصطلح المصر الجامع قد ظهر من قبل، ومنذ القرن الحادي عشر الميلادي صار تعبير (المصر (الجامع جزءًا من عالم مصطلحي للفقه الحنفي، وتطور هذا ليعطي المصطلح عدداً من المقاربات المفيدة في دراستنا هذه منها:
(1) انظر حول ذلك: باب الجمعة في المدن والقرى في صحيح البخاري.
(2) بابر يوهنسن، المصر الجامع ومساجده الجامعة مجلة الاجتهاد العدد السابع، السنة الثانية، 1990، (3) انظر: فصل فقه عمارة المساجد.
ص
102:69