النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧٠٨

708

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

1 - الرؤية الاجتماعية الاقتصادية:

من خلال فكرة «تقسيم العمل أساساً لتحديد المصر الجامع ينسب السرخسي الفقيه الحنفي الشامي إلى فقهاء أحناف - من دون أن يعينهم بأسمائهم - القول بأن حد المصر: «أن يتمكن كل صانع أن يعيش بصنعته فيه، ولا يحتاج إلى التحول إلى صنعة أخرى»، وتبعه في ذلك الكاساني، لكن الفقيه الحنفي الزيلعي المصري يعطي التعريف بعداً إضافياً حين يقول: … وهو كل موضع يكون فيه كل محترف، ويوجد فيه جميع ما يحتاج الناس إليه في معايشهم، وفيه فقيه مفت، وقاض يقيم الحدود» (2).

هذا التعريف ذو بعد غير مكتمل إذ إنه يجعل من المدينة مركزاً لتبادل السلع، حيث يسود تقسيم العمل، ونظام تبادل السلع متط ور إلى درجة تسمح لرجال الحرف المختصين بكسب ما يعتاشون به ومنه.

وهو المستقر الحضري الذي تتوافر فيه كل أنواع السلع للسكان والمقيمين، والواضح من ذلك أن المستقر الذي يتيح مثل هذه الوفرة لا بد أن يكون مدينة كبرى، لذا يمكن استخدام التعريف للتفرقة بين المستقرات الريفية الصغيرة والمدن الكبرى، وارتباط المصر الجامع بالأنماط الإنتاجية التي يمارسها ساكنوه كانت محل نقاش وجدل بين الفقهاء، مما مهد لما ذهب إليه ابن خلدون ـ من بعد - من علاقة بين حجم المدينة، والحرف الموجودة فيها (3).

2 - التعريف متعدد الأبعاد للمصر:

يقول الكاساني: «روي عن أبي حنيفة أنه قال: [المصر هو] بلدة كبيرة فيها سكك وأسواق ولها رساتيق، وفيها وال يقدر على إنصاف المظلوم من الظالم بحشمه وعلمه أو علم غيره والناس يرجعون إليه في الحوادث» (4).

إن هذا التحديد للمصر متعدد الأبعاد، ويشتمل على عدة عناصر أساسية هي:

—

حجم سكاني واسع بحيث تنشأ شبكة من الشوارع (السكك).

أسواق تستخدم كمراكز لتبادل السلع.

ممثل للسلطة المركزية حسن السيرة، ونظام قانوني يحققان العدالة والمساواة أمام القانون.

(1) السرخسي؛ محمد بن أبي سهل المبسوط، القاهرة، 1324 هـ/1907 م، ج 2، ص 23.

(2) الزيلعي؛ عثمان بن علي تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق القاهرة 1313 هـ، ج 1، ص 217. بابر يوهنسن، المصر الجامع

ومساجده الجامعة ص

76

(3) بابر يوهنسن، المرجع السابق، ص 77. (4) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 1، ص 260.