النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٧٠٩المفهوم الإسلامي للبناء والعمران
د. خالد محمد عزب
709
تكون المدينة مركزاً سياسياً ودينياً وقضائياً لمحيطها الريفي.
المدينة كمركز للحياة العلمية.
هذا التعريف متعدد الأبعاد لا شك أننا نرى صداه لدى علماء السياسة الشرعية كابن الربيع والماوردي، على نحو ما ذكرنا سابقاً، لكن مشكلته طبقاً لما يراه بابر يوهنسن، هو أنه لم يتحول إلى اصطلاح فقهي محدد. لذا نرى أبا يوسف ـ وهو فقيه حنفي - يورد تعريفاً أكثر بساطة، لكن تكون له السيادة حيث يقول: كل مصر فيه منبر وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود فهو مصر جامع، تجب على أهله الجمعة .. ». نرى هذا التعريف في الحواشي والشروح الحنفية منتشراً بشدة، حيث إنه يؤكد على الوحدة الدينية أو الشعائرية والقضائية للجماعة في مجال ظهور المصر، لقد أخذ هذا التعريف الفقيه الحنفي العراقي أبو الحسن الكرخي في القرن العاشر إلا أنه تجاهل النص على المنبر فقال: «إن المصر الجامع ما أقيمت فيه الحدود، ونفذت فيه الأحكام».
(2)
ويوضح الفقهاء الفرق بين الحدود والأحكام بأن الأحكام يمكن أن ينفذها قاض عادي، أما الحدود فإن إقامتها تفترض وجود سلطان سياسي إذ إن الحدود للولاة بحسب هذا التعريف، إذاً فإنه لا بد أن يتوافر فيه تمثيل سياسي وإداري للسلطة السياسية، يشرف على حسن تطبيق الأحكام والحدود. ومن الملاحظ أن المسجد الجامع يغيب في هذا التعريف أيضاً كشرط من شروط تحويل
المستقر إلى مصر.
لكن هناك تعريف منسوب لمحمد بن شجاج الثلجي (ت: 257 هـ / 870 م) بالعراق، من معالمه اشتراط حجم معين للسكان واشترط الجامع حيث يقول فيه: «أحسن ما قيل فيه (أي في حد المصر) إذا كانوا بحال لو اجتمعوا في أكبر مساجدهم لم يسعهم ذلك حتى احتاجوا إلى بناء مسجد الجمعة فهذا مصر تقام فيه (الجمعة) (3).
هذا التعريف يجعل من حجم السكان مقدمة لجعل المسجد الجامع ضرورة بحيث يصبح الجامع في النهاية معلماً فارقاً بين المصر الجامع والمستقر الحضري العادي، لكنه يؤكد مركزية المسجد الجامع في تخطيط المدن الإسلامية، وهي حقيقة ظلت ثابتة طوال القرنين الأولين للهجرة، ثم سرعان ما توارت هذه المركزية نتيجة للمعطيات السياسية (4).
(1) بابر يوهنسن المرجع السابق، ص 80. (2) المرجع السابق نفسه.
(3) المرجع السابق، ص 81. الكاساني، بدائع الصنائع، ج 1، ص 260. (4) خالد عزب، تراث المدن الإسلامية، كتاب الهلال، أكتوبر 2009.